تحرير المبادلات أمام تصاعد السياسات الحمائية، مع عودة الرسوم الجمركية والقيود التجارية إلى واجهة التنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى. ويعكس هذا التحول تغيراً في قواعد الاقتصاد العالمي إذ لم تعد حرية النفاذ إلى الأسواق مضمونة بالاتفاقيات التجارية وحدها بل أصبحت مرتبطة أيضاً بحماية نسيجها الصناعي .
وتعد الولايات المتحدة ابرز الامثل على هذا التوجه إذ أعلنت إدارة دونالد ترامب في أفريل 2025 فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات ضمن سياسة تستهدف تقليص العجز التجاري وتشجيع الإنتاج المحلي. كما شهدت العلاقات الأمريكية الصينية تصعيداً في الرسوم المتبادلة قبل التوصل إلى تفاهمات لتخفيف جزء منها. وفي أوروبا فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً تعويضية على السيارات الكهربائية الصينية في أكتوبر 2024 في خطوة استهدفت مواجهة المنافسة التي اعتبر أنها تستفيد من الدعم الحكومي.
ولا تقتصر آثار هذه الإجراءات على البلدان المستهدفة مباشرة، إذ يمكن أن تمتد إلى بقية الشركاء عبر تغير مسارات التوريد والتوجه نحو تنويع الاسواق . كما يزيد عدم استقرار السياسات التجارية صعوبة التخطيط للاستثمار والإنتاج خصوصاً بالنسبة إلى المؤسسات المرتبطة بسلاسل القيمة الدولية.
وتجد تونس نفسها معنية بهذه التحولات بالنظر إلى ارتباط تجارتها الخارجية بالسوق الأوروبية اذا بلغتس الصادرات التونسية نحو الاتحاد الاوروبي 70.2% خلال الاشهر التسعة الأولى من العام الحالي ما يجعل تطورات الطلب الأوروبي والسياسات التجارية داخل الاتحاد عوامل مؤثرة في نشاط المؤسسات المصدرة.
ويبرز قطاع مكونات السيارات والصناعات الكهربائية والميكانيكية والنسيج ضمن القطاعات التي تستوجب متابعة هذه التطورات بحكم ارتباط جزء من إنتاجها بالسوق الأوروبية. فأي تباطؤ في نشاط الصناعات الأوروبية أو مراجعة لمصادر التزود قد ينعكس على الطلبات الموجهة إلى المؤسسات التونسية.
ولا يتمثل التحدي التونسي في مواجهة الرسوم الجمركية فحسب بل في تقليص الاعتماد على عدد محدود من الأسواق وتنويع الشركاء والمنتجات المصدرة. ففي عالم تتزايد فيه القيود التجارية تصبح القدرة على التكيف مع تغير القواعد الدولية شرطا أساسيا لحماية الصادرات ودعم النمو الاقتصادي.