شديد تحكمه معادلة دقيقة من التوتر الميداني والجمود الدبلوماسي بين الولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقرر في 3 نوفمبر 2026، تتكثف التساؤلات حول طبيعة الخيارات التي سيتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: هل سيمضي قدما في خيار التصعيد العسكري المدمّر أم سيلجأ إلى التهدئة تفاديا لتداعيات سياسية قد تعصف بحزبه الجمهوري؟
يبرز التصعيد العسكري كأحد أبرز الاحتمالات المطروحة على الطاولة، في ظل تسريبات نقلتها شبكة "سي إن إن" تفيد بأن الجيش الأمريكي وضع خططا لشن ضربات محتملة قد تشمل استخدام قنبلة جي.بي.يو-43/ب ي الملقبة بـ "أم القنابل" – وهي أكبر سلاح غير نووي في الترسانة الأمريكية- لاستهداف البنية التحتية للطاقة والمواقع النووية الإيرانية.
ويتزامن ذلك مع تصريحات حازمة لترامب خلال تجمع انتخابي في ألاسكا،توعّد فيها طهران. كما تشير تقارير إلى مباحثات مكثفة جمعت ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو بشأن شن هجوم جديد.
في المقابل، يؤكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف استراتيجية بلادِه القائمة على الجمع بين "الحرب والتفاوض" . إذ تستثمر طهران قدراتها العسكرية، وتفعيل مشاريع صاروخية متقدمة ومخاطر اتساع رقعة المواجهة في مضيق هرمز لفرض شروطها ورفع كلفة أي مغامرة عسكرية أمريكية-إسرائيلية.
على الجانب الآخر من المعادلة، تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطا سياسية داخلية غير مسبوقة ترتبط ارتباطا وثيقا بملفات الاقتصاد والحرب:
وتشير تحليلات صحفية أوردتها "واشنطن بوست" إلى أن حالة الفوضى والتوتر الناجمة عن تداعيات الحرب على إيران، إلى جانب ارتفاع الأسعار واضطراب السياسات التجارية، باتت تتحول إلى عبء انتخابي ثقيل يهدد بفقدان الحزب الجمهوري لسيطرتها على الكونغرس.
في حين يرى بعض المحللين الأمريكيين مثل تيم كونستانتين أن ترامب يمتلك"ترف الوقت" للتحكم بمسار الصراع متحرراً من أي قيود انتخابية بمجرد انتهاء الاقتراع، يرى آخرون أن أي تصعيد غير محسوب في هذه اللحظات الحرجة قد يأتي بنتائج عكسية كارثية على مستقبل الحزب الجمهوري الانتخابي.
وتلقي الحرب بظلالها الثقيلة على الأمن الدولي، وهو ما ظهر جليا في الموقف الروسي-الصيني المشترك، حيث ناقش وزيرا خارجية روسيا والصين سيرغي لافروف ووانغ يي على هامش مؤتمر للأمن في أذربيجان تطورات الملف الإيراني. ودعا إلى وضع حد للصراع الإيراني محذرين من أن استمراره وتوسعه يهدد استقرار المنطقة برمتها، في وقت تواصل فيه الدبلوماسية الإقليمية عبر وساطات قطرية وباكستانية محاولات ترطيب الأجواء وسط تعثر متكرر لمذكرة التفاهم الموقعة منتصف العام.
وفي خضم حالة الجمود تبرز الدبلوماسية كعامل هام لتقريب وجهات النظر ونزع فتيل الأزمات. وفي مقدمة الوساطات نجد الدبلوماسية العمانية التي تستند الى تاريخها الطويل وتقاليدها الراسخة في الحياد الإيجابي وفض النزاعات بالطرق السلمية في المنطقة . لذلك تواصل سلطنة عمان تحركات مكثفة واتصالات حثيثة بين واشنطن وطهران عبر دعوات مستمرة لتغليب الحوار ومنع أي تصعيد إقليمي جديد. في هذا السياق جددت مسقط دعوتها للحوار لمنع تصعيد إقليمي جديد. واكد وزير الخارجية بدر البوسعيدي خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الباكستاني في إسلام آباد اول امس أهمية الدبلوماسية. ودعا إلى تغليب الحوار والدبلوماسية لتسوية الخلافات الإقليمية ومنع مزيد من التصعيد، في ظل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
ورغم تعثر المفاوضات على خلفية خلافات بشأن الملاحة في مضيق هرمز، الا ان مسقط لطالما أثبتت مرارا قدرتها على بناء جسور الثقة بين الخصمين اللدودين، مستفيدة من رصيد تاريخي يجعلها وجهة مقبولة ومحل ثقة للطرفين لتهدئة التوترات في مضيق هرمز وممرات الطاقم الحيوية، بعيدا عن لغة الحروب التي لا تبقي ولا تذر. وقد سبق لمسقط ان نجحت في عديد المبادرات على غرار الدور الذي لعبته في استضافة محادثات سرية رفيعة المستوى بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بدأت منذ عام 2011، والتي أدت لاحقا إلىتوقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 . كما ساهمت عُمان عدة مرات في تقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران،حيث نجحت في ذلك عام 1991. كما لعبت دورا دبلوماسيا مكملا ومهما-إلى جانب العراق- في تسهيل المفاوضات الإقليمية التي مهدت لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين برعاية صينية في مارس 2023.
واليوم يتحرك المشهد الإيراني الأمريكي ضمن معادلة مزدوجة، فقد تلجأ واشنطن إلى ضربات محدودة أو تلويح مكثف بالأسلحة الإستراتيجية (كأمالقنابل) لفرض شروط قاسية على طهران قبل الانتخابات.
او قد تلجأ إدارة ترامب الى سيناريو التهدئة -على غرار ما حصل في الملف الروسي الاوكراني وهدنة الطاقة -لتفادي أي حرب شاملة مدمرة قبيل 3 نوفمبر وذلك خشية ارتدادات صناديق الاقتراح وخسارة الكونغرس، مع إبقاءخيار "التفاوض من موقع قوة" هو السائد.