جوان 2026 والفرضيات الأولية لمشروع ميزانية 2027 عن المأزق الذي تواجهه الدولة التونسية في التوفيق بين استكمال بناء أسس الدولة الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية من جهة وضبط كلفة الدعم والنفقات والمحافظة على التوازنات المالية من جهة أخرى.
كانت ميزانية 2026 قد تم إعدادها على أساس فرضية معدل سعر برميل النفط في حدود 63.3 دولارا و نمو اقتصادي في حدود 3.3% واستقرار سعر صرف الدينار أمام العملات الرئيسية. لكن تطورات الأسواق خلال النصف الأول من السنة كانت معاكسة للفرضيات التونسية التي اعتمدت حسب ما جاء في الوثائق الرسمية على توقعات المؤسسات الدولية إذ بلغ معدل سعر البرميل وفق نتائج تنفيذ الميزانية إلى موفى جوان نحو 92.6 دولارا نتيجة ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط. وهو ما يعني أن السعر الذي واجهته المالية العمومية كان أعلى بنحو 29.3 دولارا عن الفرضية المعتمدة.
ان الفرق بين المتوقع والسعر المتداول عالميا ينعكس على المالية العمومية بمزيد من الضغوطات عبر ارتفاع فاتورة الدعم وكلفته. وبلغت نفقات الدعم المبرمجة لسنة 2026 نحو 9.8 مليار دينار من بينها نحو 5 مليار دينار دعم المحروقات و 4 مليار دينار دعم المواد الأساسية وتم تخصيص اعتمادات الدعم في حدود 3.5 مليار دينار الى موفى جوان الفارط بينما بلغ دعم المحروقات نحو 2.4 مليار دينار ويعود ذلك الى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. فكلما ارتفع السعر العالمي للطاقة ارتفعت كلفة المحافظة على الأسعار المحلية في تونس بما يزيد من الضغط على الميزانية.
وبلغت جملة نفقات الميزانية إلى موفى جوان 2026 حوالي 24.9 مليار دينار، بزيادة قدرها 8.9% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025 وجه جزء مهم من نفقات التدخلات إلى الدعم فمازالت الدولة تحاول تحمل دورها الاجتماعي بكلفة باهظة. وتواجه الدولة هامش تحرك ضيق امام هذه الكلفة المرتفعة فهي امام خدمة دين مرتفعة ونفقات الاجور والاستثمارات والتحويلات الاجتماعية.
أما القمح اللين فقد شهد بدوره ارتفاعا في الأسواق العالمية. فقد بلغ معدل الاسعار خلال النصف الأول من 2026 حوالي 276 دولارا للطن بزيادة بنحو 24 دولارا مقارنة بالفترة نفسها من 2025. ويرجع ذلك إلى استمرار الضغوط على الإمدادات العالمية والتقلبات المناخية وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة واستمرار المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد.
وبعد هذه الصدمة النفطية جاءت فرضيات مشروع ميزانية 2027 لتعتمد فرضية معدل سعر برميل النفط بين 75 و80 دولارا.
مازالت أسعار الطاقة والمواد الأساسية في الأسواق العالمية في هذه الفترة بعيدة عن الفرضيات للعام 2027 التي بنيت في منطقة وسط بين التوقعات العالمية على غرار توقع البنك الدولي الذي يتوقع سعر 70 دولار للبرميل و84 دولار توقعات صادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بينما لم يضع صندوق النقد الدولي توقعاته بعد.
أما القمح اللين فتتوقع التقديرات أن تتراوح الأسعار من 260 إلى 291 دولارا للطن مقابل تقديرات لسنة 2026 في حدود 253 إلى 260 دولارا مع تأكيد أن الأسعار ستظل مرتبطة بمستوى الإنتاج العالمي والطلب والظروف المناخية في البلدان المصدرة وتوازنات العرض والطلب.
إن فرضيات مشروع قانون المالية 2027 بنيت على أساس تراجع الضغوط على الأسعار العالمية بعد الصدمات التي تلقتها الأسواق في هذا العام. وهذا السيناريو يظل محفوفا بالمخاطر نظرا للبيئة العالمية المتغيرة.
ولا تلغي هذه الأرقام هشاشة التوازنات أمام الصدمات الخارجية. فالفرضيات والتوجهات الكبرى لمشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 تحدد ضمن أهم حساسيات المالية العمومية تطور أسعار الطاقة والمواد الأساسية وتطور النمو العالمي وخاصة في الاتحاد الأوروبي وتقلب أسعار الفائدة والصرف ومحدودية موارد التمويل وارتفاع كلفة الاقتراض وخدمة الدين.