في( مؤتمر ليبي ليبي)انعقد بتونس، لم يكن هذا المؤتمر في جوهره مجرد لقاء لتبادل الآراء، وإنما محاولة لطرح السؤال الأكثر إلحاحاً وهو كيف يمكن لبلد يملك ثروة نفطية ضخمة وإمكانات طبيعية وجغرافية كبيرة أن يحوّل موارده إلى تنمية مستقرة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي؟
أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في القضايا التي ناقشها، بل في توقيته أيضاً، بعدما أصبح الاقتصاد الليبي يدفع بصورة متزايدة كلفة الانقسام وتعدد مراكز القرار والإنفاق.
فليبيا لا تعاني من مشكلة ندرة الموارد فالنفط والغاز يمثلان العمود الفقري للاقتصاد ومصدراً رئيسياً للإيرادات والعملات الأجنبية، لكن الاعتماد المفرط على المحروقات جعل الاقتصاد شديد الحساسية لتقلبات الإنتاج والأسعار، وأبقى قطاعات واسعة خارج دائرة الإنتاج الحقيقي. وفي بلد يحتاج إلى خلق فرص عمل وتحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية، لا يمكن أن يكون ارتفاع الإيرادات النفطية وحده مؤشراً على سلامة الاقتصاد.
المعضلة الأعمق تكمن في المؤسسات، فالانقسام السياسي لم يبقَ محصوراً في المجال السياسي، بل امتد إلى إدارة المالية العامة والسياسات الاقتصادية وتوزيع الموارد. وكلما تعددت مراكز القرار، أصبحت مهمة وضع سياسة اقتصادية موحدة أكثر صعوبة، فيما تتسع الحاجة إلى إدارة أكثر انضباطاً للإنفاق العام، وإلى مؤسسات قادرة على التخطيط بعيداً عن الحسابات الظرفية.
تؤكد توصيات اقتصادية ليبية سابقة أن معالجة الانقسام وتوحيد المؤسسات تظل شرطاً أساسياً لبناء قاعدة اقتصادية مستقرة.
والأخطر أن الاقتصاد الريعي يستطيع إخفاء اختلالاته لفترة طويلة. فعندما تتدفق عائدات النفط يمكن تمويل جانب كبير من النفقات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجية. فالنمو الحقيقي يحتاج إلى قاعدة متنوعة تشمل الصناعة والزراعة والخدمات والنقل واللوجستيات والطاقة، وإلى قطاع خاص قادر على الاستثمار وخلق فرص العمل، لا إلى دولة تظل مهمتها الأساسية توزيع الريع.
ومن هنا، فإن الإصلاح الاقتصادي الليبي لا يمكن اختزاله في معالجة سعر الصرف أو ضبط الإنفاق أو إعادة ترتيب الدعم، رغم أهمية هذه الملفات.
المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والثروة، بحيث تتحول الإيرادات النفطية من مورد لتمويل النفقات الجارية إلى أداة لتمويل الاستثمار وبناء أصول اقتصادية منتجة. وهذا يتطلب شفافية أكبر في إدارة المال العام، وأولويات واضحة للإنفاق، وربط المشاريع بجدواها الاقتصادية والاجتماعية، بدل استمرار الإنفاق من دون أثر تنموي متناسب.
كما أن تنويع الاقتصاد ليس شعاراً يمكن تكراره في المؤتمرات. فالقطاع الخاص يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، والمؤسسات تحتاج إلى قواعد واضحة، والمستثمر يحتاج قبل رأس المال إلى ضمانات تتعلق باستقرار القرار الاقتصادي وحماية العقود ووضوح التشريعات. وفي غياب هذه الشروط، ستظل الإمكانات الليبية أكبر بكثير من قدرتها على التحول إلى مشاريع وفرص عمل وقيمة مضافة.
وليبيا، بحكم موقعها، لا تحتاج فقط إلى النظر إلى الداخل. فاستقرار اقتصادها يمكن أن يفتح مجالات أوسع للتكامل مع دول الجوار، وفي مقدمتها تونس، في التجارة والنقل والخدمات والصحة والطاقة والصناعات المرتبطة بالسوق الليبية.في الواقع فان التكامل الاقتصادي لا يُبنى على الحدود وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات مستقرة وقواعد واضحة وقدرة على ضمان استمرارية القرارات.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لمؤتمر تونس لن تكون في عدد المشاركين ولا في العبارات التي سترد في بياناته الختامية، وإنما في قدرته على دفع النقاش من مرحلة تشخيص الأزمة إلى مرحلة صناعة القرار.
ليبيا تعرف جيداً أن النفط ثروة، لكنها تعرف أيضاً أن الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يخرج من تونس ليس كم تملك ليبيا من النفط، وإنما ماذا فعلت بهذه الثروة؟ فالدول لا تُقاس فقط بحجم ما تختزنه أرضها، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى تعليم وصحة وبنية تحتية وإنتاج وفرص عمل واستقرار. وإذا أرادت ليبيا أن تغلق دفتر سنوات الانقسام، فإن الصفحة التي تستحق أن تبدأ بها هي بناء اقتصاد لا يعيش على النفط، بل يستخدم النفط لبناء المستقبل.
ليبيا تفتح دفتر الاقتصاد: ثروة نفطية هائلة واقتصاد أسير الانقسام
- بقلم زمردة دلهومي
- 12:40 21/08/2026
فتحت ليبيا صفحة جديدة من النقاش حول اقتصادها
آخر مقالات زمردة دلهومي
- السيادة الاقتصادية الجديدة: التمويل الأخضر طوق نجاة الصناعة التونسية
- من الطريق السيارة إلى الطريق الذكية: تونس تدخل عصر إدارة المرور بالبيانات
- الاستثمارات الآسيوية في تونس: من هامش الحضور إلى رهان الشراكة الصناعية
- السياحة التونسية تعبر عتبة الأرقام القياسية وتدخل اختبار القيمة المضافة
- تونس والهيدروجين الأخضر.. شمال إفريقيا على بوابة صناعة الطاقة الجديدة