أحد أكثر الملفات حضورا في النقاش الوطني باعتبار ارتباطه المباشر بمستقبل الأجيال ومتطلبات سوق الشغل، وعلى امتداد أكثر من خمسة عشر عاما، تعاقبت المبادرات والبرامج والتصورات الإصلاحية، من الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية والكتاب الأبيض إلى المخططات الإستراتيجية القطاعية وصولا إلى الاستشارة الوطنية حول إصلاح التربية وإحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم.
ورغم تعدد هذه المحطات، ظل السؤال مطروحا حول مدى قدرة الإصلاحات المعلنة على الانتقال من مستوى التشخيص والتوصيات إلى التنفيذ الفعلي، في ظل استمرار تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والانقطاع المدرسي وجودة التعلمات والرقمنة والتفاوت بين الجهات وظروف العمل داخل المؤسسات التربوية. وتشير وزارة التربية نفسهاإلى أن مهمتها تشمل وضع الخيارات الوطنية والمخططات والبرامجالمتعلقة بالتربية والتعليم المدرسي وتنفيذها وتقييم نتائجها، فيمايعود الإطار التشريعي الأساسي للمنظومة المدرسية إلى القانونالتوجيهي عدد 80 لسنة 2002، المنقح سنة 2008.
عودة ملف التعليم إلى الواجهة
أفرزت الثورة واقعا سياسيا واجتماعيا جديدا انعكس على مختلف القطاعات، وكان التعليم في مقدمة الملفات التي عادت بقوة إلى دائرة النقاش، فقد برزت مطالب مرتبطة بتحسين ظروف الدراسة والعمل وتطوير المؤسسات التربوية والحد من الفوارق بين الجهات ومراجعة البرامج والمناهج فضلا عن تعزيز مشاركة المدرسين والتلاميذ والطلبة ومختلف الأطراف المتدخلة في صياغة السياسات التعليمية. وفي هذه المرحلة، لم يكن التحدي مرتبطا فقط بتغيير البرامج، وإنما بإعادة بناء الثقة في المؤسسة التربوية وإيجاد تصور طويل المدى لمنظومة قادرة على مواكبة التحولات التي عرفها المجتمع التونسي، لكن تعدد الحكومات وتغير الوزراء والسياسات خلال السنوات التي تلت الثورة جعل مسار الإصلاح يتخذ في أحيان كثيرة طابعا مرحليا قبل أن تتبلور لاحقا مبادرات أكثر شمولا.
الحوار المجتمعي.. محاولة لبناء إصلاح تشاركي
من أبرز المحطات التي طبعت مسار الإصلاح بعد الثورة، الحوار المجتمعي حول إصلاح المنظومة التربوية الذي انطلق في منتصف العقد الماضي، بمشاركة عدد واسع من الفاعلين في القطاع. وكان الهدف المعلن تجاوز الإصلاحات الجزئية وبناء رؤية تشاركية تشمل مختلف مكونات المنظومة، من التلميذ والمدرس إلى النقابات والخبراء ومكونات المجتمع المدني. وقد أُنجزت آلاف المنابر الحوارية، وطرحت خلالها مقترحات وإجراءات عديدة بهدف تشخيص النقائص وتحديد الأولويات. وأعلن وزير التربية آنذاك ناجي جلول أن الحوار أفضى إلى أكثر من 2000 إجراء، وأن مرحلة التنفيذ ستكون تدريجية بعد استكمال إعداد الوثائق والخطط اللازمة، غير أن النقاش حول مخرجات الحوار لم يخل من الانتقادات، خصوصا من الأطراف النقابية التي رأت أن المشاركة والتوافق لا يكتملان دون إشراك جميع الفاعلين الأساسيين في مراحل اتخاذ القرار والتنفيذ.
"الكتاب الأبيض".. من الحوار إلى مشروع إصلاح
مثّل "الكتاب الأبيض" إحدى أبرز نتائج الحوار المجتمعي في تلك الفترة، إذ قدم باعتباره وثيقة تجمع المقترحات والتوصيات المتصلة بإصلاح المنظومة التربوية، وأكد وزير التربية آنذاك ناجي جلول أن الوثيقة أُعدت بمشاركة خبراء وأنها عرضت على الحكومة، مشددا على أنها ليست مشروعا شخصيا وإنما مشروع إصلاح يفترض أن يكون مفتوحا للنقاش والمراجعة. كما أعلن أن الكتاب سيحال إلى مختلف المتدخلين، بما في ذلك مجلس نواب الشعب والنقابات ومكونات الأسرة التربوية، بهدف توسيع دائرة النقاش حول مضامينه، غير أن المسار لم يؤد إلى تحول سريع وشامل في مختلف مكونات المنظومة، وهو ما أعاد إلى الواجهة الإشكال القديم المتعلق بالفجوة بين كثافة التشخيص والدراسات من جهة، وقدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات من جهة أخرى. وقد أبقت وزارة التربية "الكتاب الأبيض: مشروع إصلاح المنظومة التربوية في تونس" ضمن وثائقها المتعلقة بالسياسات والبرامج، إلى جانب المخطط الاستراتيجي القطاعي التربوي للفترة 2016-2020.
المخطط الاستراتيجي 2016-2020.. إصلاح يرتبط بالبنية والجودة
تزامنت تلك المرحلة مع وضع مخطط استراتيجي قطاعي للتربية للفترة 2016-2020، في محاولة للانتقال من التوصيات العامة إلى أهداف وبرامج محددة. وتركزت الأولويات على تحسين جودة التعليم وتطوير البنية التحتية وتحسين ظروف التلاميذ وتقليص الفوارق بين الجهات إلى جانب تطوير الموارد البشرية وملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد وسوق العمل، غير أن السنوات اللاحقة أظهرت أن تنفيذ الإصلاحات الكبرى في قطاع التربية يواجه عوائق مالية وإدارية واجتماعية متشابكة، وهو ما جعل عددا من المشاريع يتقدم بوتيرة متفاوتة. وكانت كلفة الإصلاحات نفسها أحد أبرز التحديات التي طرحت آنذاك، إذ تحدث وزير التربية في تلك الفترة عن حاجيات مالية كبيرة لتجديد التجهيزات وتركيز المدرسة الرقمية.
دستور 2022 يضع أساسا لمؤسسة جديدة
شكّل دستور 25 جويلية 2022 محطة جديدة في تاريخ الإصلاح التربوي من خلال التنصيص على إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم. ومن خلال هذه المؤسسة، اتجه التصور الجديد إلى وضع الإصلاح في إطار مؤسساتي أكثر استقرارا، بدلا من أن يبقى مرتبطاً بالوزارات والحكومات المتعاقبة وبالخيارات الظرفية. وقد أصبح المجلس إطارا للتفكير والتقييم وإبداء الرأي في السياسات الكبرى المتعلقة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل. وهكذا انتقل النقاش تدريجيا من سؤال "ما هي الإصلاحات المطلوبة؟" إلى سؤال أكثر تعقيدا، من يقود الإصلاح وكيف يمكن ضمان استمراريته؟.
الاستشارة الوطنية لسنة 2025 تعيد فتح ملف الإصلاح
في 2025 عاد ملف إصلاح التعليم إلى الواجهة من خلال الاستشارة الوطنية حول إصلاح المنظومة التربوية. وأعلنت وزارة التربية في جويلية 2025 استكمال اللجان المكلفة بتحليل نتائج الاستشارة الوطنية وإعداد تقرير يتضمن التوصيات، في خطوة هدفت إلى توفير أرضية جديدة للنقاش حول مستقبل القطاع. وتزامن ذلك مع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد ضرورة اعتماد إصلاح شامل ومترابط للقطاع، معتبرا أن المنظومة تحتاج إلى معالجة الاختلالات المتراكمة وعدم الاكتفاء بإصلاحات جزئية أو ظرفية. وفي هذه المرحلة برز المجلس الأعلى للتربية والتعليم باعتباره الآلية التي يفترض أن تجمع مختلف جوانب الإصلاح ضمن رؤية وطنية طويلة المدى. وأكد وزير التربية نور الدين النوري، في نوفمبر 2025، أن الإصلاح التربوي سيقوده المجلس بعيدا عن الرؤى الفردية والاجتهادات الظرفية، مشيراإلى أن العمل سيتركز على بناء السياسات العامة والتصورات المستقبلية، إلى جانب تحديث البرامج وإعادة النظر في الزمن المدرسي وملاءمة الأهداف التربوية مع متطلبات العصر.
2026 من الاستشارة إلى التنفيذ
دخل المسار مرحلة جديدة خلال السنة الجارية مع تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم واستكمال تركيبته وانطلاق أعماله. ويأتي ذلك في سياق إصلاح للفترة 2026-2030، وأعلنت وزارة التربية أن من محاوره مراجعة المناهج والبرامج التعليمية، وإعادة تنظيم الزمن المدرسي بما يراعي الجوانب البيداغوجية والنفسية للمتعلمين، وتسريع التحول الرقمي بالمؤسسات التربوية. كما يندرج الإصلاح ضمن رؤية أوسع في مخطط التنمية 2026-2030، الذي يضع تنمية رأس المال البشري وتعزيز الإدماج الاجتماعي ضمن أولوياته. وقد تزامن انطلاق المجلس مع مواقف داعمة من مكونات المجتمع المدني. فقد رحبت المنظمة التونسية للتربية والأسرة بتفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم، معتبرة إياه منجزا وطنيا يمكن أن يدعم قطاعات التربية والتعليم والتكوين المهني.وشددت المنظمة على ضرورة أن يكون الإصلاح شاملا لمختلف مراحل التعليم والتكوين المهني، مع تشريك الكفاءات في مختلف الاختصاصات وممثلي المجتمع المدني. كما أكدت أن التدرج والمنهجية يمثلان شرطين أساسيين لنجاح العملية الإصلاحية، بالنظر إلى أهمية التعليم .
بعد أكثر من عقد ونصف على الثورة، تبدو منظومة التربية أمام محاولة جديدة لإطلاق إصلاح شامل، لكن هذه المرة من خلال مؤسسة دستورية يفترض أن توفر إطارا أكثر استقرارا واستمرارية، فإذا كانت مبادرات ما بعد 2011 قد أنتجت كما من التشخيصات والمقترحات، فإن التحدي الذي يواجه المجلس اليوم هو تحويل هذا التراكم إلى إصلاح قابل للتنفيذ .