بعد انتظار طال منذ إرساء الإطار القانوني: المجلس الأعلى للتربية والتعليم يدخل مرحلة التفعيل.. تركيبة جديدة واليوم الجلسة الافتتاحية

يدخل مسار إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم في مرحلة جديدة

مع صدور سلسلة من الأوامر الرئاسية المتعلقة باستكمال تركيبته وتفعيل هياكله، بما يفتح الطريق أمام عقد جلسته الافتتاحية اليوم الاثنين والشروع الفعلي في أداء المهام الموكولة إليه بموجب الدستور والتشريع المنظم له.

وتأتي هذه الخطوة بعد فترة من الانتظار رافقت استكمال الإطار القانوني والمؤسساتي للمجلس، الذي نصّ دستور 25 جويلية 2022 على إحداثه باعتباره هيئة تتولى إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى في مجالات التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل. ووفق المعطيات الواردة بشأن الأوامر الرئاسية الجديدة، فقد تم الإعلان عن تركيبة الهيئة العليا للمجلس، بالتوازي مع تعيين كاتب عام له وتحديد موعد الجلسة الافتتاحية، بما يعني الانتقال من مرحلة استكمال النصوص والهياكل إلى مرحلة مباشرة العمل.

سبعة أعضاء في التركيبة الأساسية

نصّ الأمر عدد 203 لسنة 2026 على ضبط التركيبة الأساسية للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، والتي تضم، وفق المعطيات المنشورة، كلا من التيجاني القماطي ويوسف بن عثمان وشيراز السطنبولي وريم العريبي، وكمال الهنيد ومحمد الحبيب العلاني ومحمد سيف الله بن عبد الرزاق. ويمثل استكمال هذه التركيبة محطة أساسية في مسار تفعيل المجلس، باعتبار أن الهيئة العليا ستتولى التداول في المسائل التي تعرض عليها، فضلا عن النظر في الآراء والتقارير والتوصيات التي تعدها الهياكل المختصة داخل المجلس. ويأتي ذلك ضمن تصور قانوني يجعل المجلس إطارا مؤسساتيا للتفكير والتقييم والاستشارة في الملفات الكبرى المرتبطة بالمنظومة التعليمية والتكوينية والبحث العلمي.

محمد علي البوغديري كاتبا عاما للمجلس

وبالتوازي مع ضبط التركيبة، نصّ الأمر عدد 204 لسنة 2026 على تكليف وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري بمهام كاتب عام للمجلس الأعلى للتربية والتعليم. ويكتسي منصب الكاتب العام أهمية خاصة في الهيكلة الإدارية للمجلس، إذ سبق أن ضبط الأمر الرئاسي عدد 246 لسنة 2025 المؤرخ في 9 ماي 2025 التنظيم الإداري والمالي للمجلس، ونص على أن المجلس يسيره كاتب عام يتولى، من بين مهامه، إعداد اجتماعات هيئاته ولجانه، وتحرير محاضر جلساتها ومداولاتها وحفظها، إلى جانب التنسيق بين هياكل المجلس وأنشطته ومتابعتها والإشراف على إعداد تقريره السنوي ومشروع ميزانيته. ويعود اسم محمد علي البوغديري إلى الواجهة من بوابة ملف التربية والتعليم بعد تجربة حكومية سابقة، إذ تولى حقيبة التربية سنة 2023، قبل إنهاء مهامه سنة 2024. كما سبق له أن شغل مسؤوليات نقابية في الاتحاد العام التونسي للشغل. ويضع تعيينه على رأس الإدارة العامة للمجلس شخصية سبق لها أن كانت في صلب إدارة القطاع التربوي، في موقع يفترض أن يكون محوريا في ضمان انطلاق المؤسسة الجديدة وتنسيق عمل هياكلها ومتابعة تنفيذ برامجها.

اليوم الجلسة الافتتاحية تزامنا مع "يوم العلم"

أما الأمر عدد 205 لسنة 2026، فيتعلق بدعوة أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى عقد جلستهم الافتتاحية اليوم الاثنين 17 أوت الجاري.  ويكتسي هذا الموعد رمزية خاصة لتزامنه مع الاحتفال بـ"يوم العلم"، في سياق تسعى فيه السلطة إلى ربط انطلاق المجلس بملف التعليم وبالدور الذي يفترض أن تضطلع به المؤسسة في رسم الخيارات الكبرى للمنظومة التربوية. ويكتمل بذلك، من الناحية الإجرائية، المسار الذي يجعل من رئيس الجمهورية الجهة التي تتولى دعوة المجلس إلى عقد جلسته الافتتاحية بأمر، وفقا للمنظومة القانونية التي أُرست منذ سنة 2024.

من دستور 2022 إلى واقع المؤسسات

لم يكن إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم قرارا إداريا معزولا، بل جاء ضمن التصور الدستوري الجديد للمنظومة التعليمية. فقد أدرج دستور 25 جويلية 2022 المجلس ضمن المؤسسات التي تتولى النظر في القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل. وفي سبتمبر 2024 صدر المرسوم عدد 2 لسنة 2024 المؤرخ في 16 سبتمبر، والذي ضبط تركيبة المجلس واختصاصاته وطرق سيره. ونص المرسوم على أن المجلس هيئة دستورية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية، وأن مقره تونس العاصمة. كما ضبط المرسوم تركيبة المجلس التي تشمل وزراء القطاعات المعنية بالتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتشغيل والتكوين المهني والأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن والشباب والرياضة والشؤون الدينية والشؤون الثقافية، مع تناوب الوزراء المعنيين على رئاسة المجلس ونيابتها كل ستة أشهر. وبذلك أصبح للمجلس، منذ سبتمبر 2024، إطار قانوني يحدد موقعه واختصاصاته، قبل أن يأتي الأمر الرئاسي عدد 246 لسنة 2025 ليضبط تنظيمه الإداري والمالي.

سنة ونصف تقريبا بين النصوص والانطلاق الفعلي

ورغم استكمال الإطار القانوني، فإن تفعيل المجلس على أرض الواقع لم يتم بالسرعة التي كان يمكن أن توحي بها وتيرة صدور النصوص المنظمة له. فبعد صدور المرسوم المنظم في سبتمبر 2024، صدر الأمر المتعلق بالتنظيم الإداري والمالي في ماي 2025، لكن الانطلاق الفعلي لأعمال المجلس ظل مؤجلا، وهو ما جعل مسار إحداثه يمر بفترة طويلة بين الإرساء القانوني والتجسيد المؤسساتي. وكان رئيس الجمهورية قد أعلن في أوت 2025، خلال الاحتفال بيوم العلم، أن المجلس سينطلق في أعماله في أقرب الآجال بعد استكمال النصوص القانونية المتعلقة به، لكن الأشهر اللاحقة أظهرت أن استكمال النصوص لم يكن كافيا بمفرده لتحقيق الانطلاق العملي، لتتواصل الحاجة إلى استكمال التعيينات والتركيبة والهياكل التنفيذية.

قيس سعيّد.. التعليم جزء من الأمن القومي

وفي 11 ماي 2026، عاد ملف المجلس إلى صدارة الاهتمام الرئاسي، خلال اجتماع أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد بقصر قرطاج، بحضور وزير التربية نور الدين النوري، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي منذر بلعيد، ووزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد، ووزير تكنولوجيات الاتصال سفيان الهميسي. وخلال الاجتماع، شدد رئيس الجمهورية على ضرورة الاستعداد الجيد للامتحانات في مختلف مراحلها، وربط مستقبل البلاد بإرساء نظام تربية وتعليم وطني يتوفر للجميع على قدم المساواة، ليس فقط على مستوى النصوص وإنما في الواقع والتنفيذ. كما أكد سعيّد أن إدراج المجلس الأعلى للتربية والتعليم في الدستور لم يكن أمرا عرضيا، معتبرا أن التعليم يمثل أحد المكونات الأساسية للأمن القومي، ومشددا على ضرورة مواصلة العمل حتى ينطلق المجلس في أعماله ويتم الإصلاح في مختلف مراحل التعليم. وتكشف هذه التصريحات أن المجلس لا ينظر إليه فقط باعتباره هيئة استشارية إضافية، وإنما كإحدى الأدوات المؤسساتية التي تراهن عليها رئاسة الجمهورية في إعادة صياغة السياسات العمومية في قطاع التربية والتعليم.

هيئة استشارية.. لكن باختصاصات واسعة

رغم الصبغة الاستشارية للمجلس، فإن الاختصاصات التي أسندها إليه الإطار القانوني تمنحه دورا يتجاوز مجرد إبداء الرأي في ملفات ظرفية ، فالمجلس معني بالنظر في السياسات العمومية المتعلقة بالتعليم والتكوين والبحث العلمي، واقتراح التوجهات الكبرى للإصلاح، وتقييم نتائج السياسات المعتمدة كما يمكنه إحداث لجان دائمة أو مؤقتة ومجموعات عمل متخصصة للنظر في مسائل محددة، على أن ترفع نتائج أعمالها إلى الهيئة العليا. وتتداول الهيئة العليا أيضا في الآراء والتقارير والتوصيات التي تعرض عليها من قبل هياكل الخبراء والتقييم، بما يجعل المجلس، من حيث التصميم القانوني، فضاء يجمع بين الاستشارة والخبرة والتقييم ورسم التوجهات.

أهمية المجلس، وفق هذا التصور، تكمن في قدرته المفترضة على توفير إطار دائم للتفكير في إصلاح المنظومة التعليمية بعيدا عن المعالجة الظرفية للملفات، فالقطاع التربوي يواجه ملفات متشابكة تمتد من المدرسة والتعليم الأساسي والثانوي إلى التعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي، فضلا عن قضايا التشغيل والمواءمة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد. ومن هنا تأتي أهمية وجود هيئة قادرة على تجميع المعطيات والخبرات وإجراء التقييمات واقتراح الخيارات الاستراتيجية، بما يسمح بربط الإصلاحات المختلفة ضمن رؤية وطنية طويلة المدى.

ماذا بعد الجلسة الافتتاحية؟

إذا كان تحديد يوم 17 أوت موعدا للجلسة الافتتاحية يمثل نهاية مرحلة من التعطيل المؤسساتي، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، فالاختبار لن يكون في مجرد عقد الاجتماع الأول، وإنما في قدرة المجلس على الانتقال سريعا إلى العمل الفعلي وإعداد برنامج واضح وتحديد الأولويات وتفعيل لجانه وهياكله وإنتاج آراء وتقييمات قابلة للتحويل إلى سياسات عمومية. كما سيكون من المهم أن ينجح المجلس في بناء علاقة مؤسساتية واضحة مع الوزارات والهياكل العمومية والجامعات ومؤسسات التكوين والبحث، حتى لا تتحول وظيفته إلى مجرد إصدار تقارير أو آراء لا تجد طريقها إلى التنفيذ. وقد نص الأمر المنظم للتنظيم الإداري والمالي للمجلس على إعداد برنامج عمل سنوي ومشروع ميزانية، وهو ما يوفر، من الناحية المؤسساتية، أدوات تسمح بالانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ والمتابعة.

محطة جديدة في إصلاح المنظومة التربوية

مع اكتمال التركيبة وتعيين الكاتب العام وتحديد موعد الجلسة الافتتاحية، يبدو المجلس الأعلى للتربية والتعليم أمام لحظة تأسيسية حاسمة، فالمسار الذي انطلق دستوريا سنة 2022، وتكرّس تنظيميا بمرسوم سبتمبر 2024، ثم استكمل إداريا وماليا بأمر ماي 2025، يدخل الآن مرحلة جديدة يفترض أن يكون عنوانها العمل الفعلي. وتبقى قيمة هذه الخطوة مرتبطة بما سينتج عنها لاحقا من سياسات وتقييمات وتوصيات، وبمدى قدرة المجلس على أن يتحول من مؤسسة نصّ عليها الدستور وأحاطها القانون بالتنظيم، إلى آلية مؤسساتية مؤثرة في مستقبل التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين والتشغيل في تونس.

وبذلك، فإن جلسة 17 أوت لا تمثل فقط موعدا إداريا لافتتاح أشغال المجلس، بل يفترض أن تكون بداية اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على تحويل الرؤية الدستورية والإطار القانوني إلى مؤسسة فاعلة، قادرة على الإسهام في إصلاح منظومة التعليم على أساس التخطيط والتقييم والاستمرارية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115