لا يزال يواجه اختبارًا أساسيًا: قدرته على خلق فرص العمل. فنتائج الثلاثي الثاني من سنة 2026 تكشف عن مفارقة واضحة؛ الناتج المحلي الإجمالي سجل نموًا سنويًا بنسبة 2.3%، في حين تراجع عدد المشتغلين.
إن النمو المسجل لم يكن مصدره قطاع واحد، وإنما تقوده بالأساس الخدمات والفلاحة. وقد ساهمت الخدمات في دفع النشاط الاقتصادي، مدعومة خصوصًا بتحسن قطاعات مرتبطة بالسياحة والاتصالات والنقل. كما استفادت الفلاحة من تحسن الإنتاج بعد مواسم صعبة.
أنا بالنسبة إلى الصناعة. فالصناعات التحويلية لم تحقق سوى نمو محدود، بينما واصلت أنشطة الطاقة والمناجم تراجعها. وهذه النقطة مهمة لأن الاقتصاد يحتاج إلى قاعدة إنتاجية قادرة ليس فقط على رفع الناتج، وإنما أيضًا على الاستثمار والتصدير وتوفير وظائف مستقرة. وتكشف سوق العمل حدود التعافي الحالي. فقد تراجع عدد المشتغلين بنحو 58 ألف شخص خلال الثلاثي الثاني مقارنة بالثلاثي الأول. وفي المقابل، انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 14.9 %. فالانخفاض تقني اساسا لا يعكس سوق الشغل والبطالة.
ويتضح ذلك عند النظر إلى الشباب وحاملي الشهادات العليا. فبطالة الشباب، رغم تراجعها، لا تزال مرتفعة جدًا، فيما ارتفعت بطالة حاملي الشهادات العليا إلى 26.6 %. وهذه الأرقام لا تعكس فقط ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، بل تكشف أيضًا استمرار فجوة بين المهارات التي يوفرها التكوين و التعليم والوظائف التي يتطلبها الاقتصاد. كما أن الفجوة بين النساء والرجال تظل كبيرة في سوق العمل، وهو ما يعني أن جزءًا مهمًا من الطاقات البشرية المتاحة لا يجد طريقه إلى النشاط الاقتصادي. وبالتالي فإن مشكلة التشغيل في تونس ليست فقط مشكلة عدد الوظائف، وإنما أيضًا مشكلة مشاركة وإدماج وتطابق بين المهارات وحاجيات المؤسسات.
ومن جهة أخرى، يعتمد النمو الحالي بدرجة كبيرة على الطلب الداخلي، ولا سيما الاستهلاك والاستثمار. لكن ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات يحد من قدرة هذا الطلب على دعم الإنتاج المحلي. فحين تتم الاستجابة للطلب بالاعتمادعلى التوريد تكون آثار النمو على المؤسسات المحلية والتشغيل أقل مما يمكن أن تكون عليه لو كان الاقتصاد أكثر قدرة على تلبية الطلب من خلال الإنتاج الداخلي.
إن بيانات الثلاثي الثاني تكشف عن ان التحدي لم يعد فقط استعادة النمو، وإنما تحويل النمو إلى تشغيل. والنجاح في ذلك سيكون مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على الانتقال من تعافٍ تقوده الخدمات والطلب الداخلي إلى مسار أكثر اعتمادًا على الاستثمار والإنتاج والتصدير.
و لا تكمن المسألة في أن الاقتصاد التونسي ينمو أم لا، بل في قدرة النمو على خلق فرص عمل جديدة، ما يجعل التشغيل أحد أهم الاختبارات التي سيواجهها التعافي الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.