على المرض "الكنام" نحو مزيد من التصعيد، في ظل تمسك النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة بقرار تعليق العمل بصيغة الطرف الدافع والذي انطلق بداية من غرة نوفمبر الجاري، مقابل موقف حكومي جديد أعلن عنه وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، يقضي بإيقاف صرف مستحقات الصيدليات الخاصة ضمن هذه المنظومة، إلى حين التراجع عن قرار التعليق واستئناف العمل بالصيغة المعمول بها.
يأتي هذا التطور ليزيد من حدة الخلاف القائم بين الصيادلة والصندوق الوطني للتأمين على المرض، بعد أشهر من التوتر والمطالبات المتكررة بتسوية المستحقات المالية المتخلدة بذمة الصندوق، وسط تحذيرات من انعكاسات الأزمة على التوازنات المالية للصيدليات الخاصة وعلى استمرارية التزود بالأدوية وتوفيرها للمواطنين.
وزير الشؤون الاجتماعية: تسوية المستحقات المالية لن تتم في ظل استمرار تعليق الخدمة
خلال جلسة عقدتها لجنة الصحة بمجلس نواب الشعب ومجلس الجهات والأقاليم، أمس أعلن وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر أنه أذن بإيقاف صرف مستحقات الصيدليات الخاصة في إطار منظومة الطرف الدافع. وأوضح الوزير أن قرار إيقاف الصرف سيظل قائما إلى حين رفع الصيدليات الخاصة قرار تعليق العمل بهذه المنظومة، مؤكدا أن تسوية المستحقات المالية لن تتم في ظل استمرار تعليق المنظومة، وفق ما نقلته التصريحات المتعلقة بأشغال الجلسة، وفق ما نقلته موزاييك أف أم. وكشف الأحمر أنه أصدر هذا الإذن قبل ساعات قليلة من الموعد الذي كان مقررا لصرف المنحة، والتي كان من المفترض تحويلها يوم الثلاثاء الماضي، وهو ما يضع الملف المالي للصيدليات الخاصة في قلب المواجهة الحالية بين الطرفين. وكانت نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة، قد أعلنت في بيان صادر عنها يوم الجمعة 30 أكتوبر المنقضي، تمسكها بقرار تعليق العمل بصيغة الطرف الدافع لفائدة منظوري الصندوق الوطني للتأمين على المرض، بداية من غرة نوفمبر الجاري. وبررت النقابة قرارها بتواصل إخلال الصندوق بتعهداته التعاقدية وعدم التوصل إلى حلول عملية من شأنها ضمان استمرارية هذه الخدمة، معتبرة أن مواصلة العمل بالصيغة الحالية أصبحت تمثل عبئا ماليا متزايدا على الصيدليات، في ظل عدم تسوية المستحقات المالية المستوجبة.
وأوضحت أن مكتبها الوطني كان قد أعلم الصندوق وجميع الجهات المعنية، منذ 19 أكتوبر 2026، باستحالة مواصلة العمل بصيغة الطرف الدافع دون احترام الالتزامات التعاقدية وتسوية المستحقات المتخلدة بذمة الصندوق. وأضافت أن الصيادلة واصلوا تقديم خدماتهم رغم الصعوبات المالية القائمة، وانتظروا إلى غاية نهاية الأسبوع الجاري أملا في التوصل إلى معالجة جدية للأزمة وتفادي اتخاذ قرار تعليق العمل بالمنظومة، غير أن غياب النتائج الملموسة دفعهم إلى تنفيذ القرار الذي سبق أن اتخذته الهيئة الوطنية الموسعة خلال اجتماعها المنعقد يوم 27 أكتوبر 2026.
مستحقات مالية متأخرة
وأكدت النقابة أن جوهر الخلاف لا يتعلق برفض الصيادلة مواصلة تقديم الخدمات للمواطنين أو لمنظوري الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وإنما يرتبط أساسا بعدم احترام الالتزامات المالية والتعاقدية التي تحكم العلاقة بين الصندوق والصيدليات الخاصة. وشددت على أن تأخر خلاص المستحقات أدى إلى تفاقم الصعوبات المالية التي تواجهها المؤسسات الصيدلية، وأضعف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مزودي الأدوية بالجملة ومصنعي الأدوية والأجراء والمؤسسات البنكية ومختلف المتعاملين معها. كما أشارت النقابة إلى أن الأزمة المالية لا ترتبط فقط بتأخر مستحقات الصندوق، بل تتداخل معها أعباء جبائية مرتفعة وإشكاليات مهنية وتنظيمية لم تجد طريقها إلى المعالجة، فضلا عن عدم تطبيق القوانين المنظمة للقطاع وغياب المبادرات الكفيلة بتأطير الأنشطة والممارسات غير المقننة.
ولا يبدو أن الخلاف بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض والصيدليات الخاصة مجرد نزاع مالي ظرفي، بل أصبح يعكس إشكاليات أوسع تتعلق بآليات تمويل الخدمات الصحية وبمدى قدرة مختلف المتدخلين على احترام التزاماتهم وضمان استمرارية المنظومة العلاجية، فصيغة الطرف الدافع تمثل آلية أساسية في علاقة المواطن بالصيدلية، إذ تتيح للمضمون الاجتماعي الانتفاع بالأدوية دون الاضطرار إلى دفع كامل ثمنها مسبقا، على أن يتولى الصندوق تسوية المستحقات وفق الإجراءات والاتفاقيات المعمول بها. وبذلك فإن تعليق هذه الصيغة لا يقتصر تأثيره على العلاقة المالية بين الصيادلة والصندوق، بل يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والفئات التي تعتمد بصورة منتظمة على التغطية الصحية للحصول على أدويتها. وفي صورة استمرار تعليق المنظومة، قد يجد عدد من المضمونين الاجتماعيين أنفسهم أمام ضرورة دفع ثمن الأدوية مباشرة بالصيدليات، ثم إتباع الإجراءات المعمول بها للمطالبة باسترجاع المصاريف، وهو ما قد يشكل عبئا إضافيا على أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين والمرضى الذين يحتاجون إلى أدوية بصفة مستمرة.
هذا وشددت النقابة على أن قرار التعليق يندرج ضمن إجراءات حماية استمرارية المؤسسات الصيدلية والحفاظ على قدرتها على التزود بالأدوية وتوفيرها للمواطنين. واعتبرت أن الصيدليات أصبحت تواجه صعوبات متزايدة في تأمين الأدوية، في ظل النقص المتواصل في بعض الأصناف ومشاكل التزود، وهو ما يجعل استمرار الأزمة المالية عاملا إضافيا يهدد قدرتها على مواصلة نشاطها بصورة طبيعية. كما أكدت أن الصيادلة لا يمكنهم تحمل أعباء تمويل منظومة الطرف الدافع بصورة متواصلة دون تسوية المستحقات المالية المتفق عليها، خاصة أن الصيدليات مطالبة في المقابل بخلاص مزوديها والمحافظة على مخزونها الدوائي وتأمين حاجيات المواطنين. وفي هذا السياق، أعربت النقابة عن أسفها لما قد ينجر عن قرار التعليق من اضطراب في الانتفاع بالخدمات الصحية، مؤكدة أنها راسلت الصندوق الوطني للتأمين على المرض بهدف التنسيق بشأن كيفية التعامل مع ملفات منظوريه وتيسير حصولهم على أدويتهم، على أن يتم الإعلان عن المعطيات الرسمية فور ورودها.