:الفسفاط التونسي المنجم وحده لا يكفي.. التحدي الحقيقي في التحويل

لا تتوقف رهانات تونس في قطاع الفسفاط عند استعادة

مستويات الاستخراج والإنتاج، بل تمتد أساسا إلى قدرة المجمع الكيميائي التونسي على تحويل هذه الثروة إلى قيمة مضافة وعائدات تصديرية. فالمجمع يمثل الحلقة الصناعية التي تنتقل فيها تونس من تصدير المادة الأولية إلى إنتاج الحامض الفوسفوري والأسمدة والمنتجات الكيميائية، بما يجعل أداءه عنصرًا مؤثرًا في الصادرات الصناعية وفي توفير العملة الأجنبية وفي نشاط عدد من القطاعات الاقتصادية المرتبطة به

تكشف خطط تنفيذ برنامج تطوير إنتاج وتحويل الفسفاط للفترة 2025-2030 عن تحسن في إنتاج الفسفاط، لكنه لا يتحول إلى نتائج مماثلة في نشاط التحويل. فقد بلغ إنتاج شركة فسفاط قفصة إلى موفى سبتمبر 2025 نحو 2.884 مليون طن، بزيادة بـ42% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، لكنه بقي أقل بـ25% من المستوى المقدر للبرنامج. ويعني هذا الفارق أن المجمع الكيميائي لم يحصل على الكميات المنتظمة التي يحتاجها لتشغيل وحداته بكامل طاقتها

وتظهر الفجوة بصورة أوضح في إنتاج الحامض الفوسفوري، الذي تراجع خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 بـ31% مقارنة بالتقديرات، رغم تسجيله نموًا بـ9% مقارنة بإنجازات الفترة نفسها من السنة السابقة. وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تكمن في مستوى استخراج الفسفاط وحده، وإنما في كامل سلسلة الإنتاج، من الاستخراج والنقل إلى التحويل والتصدير

ويواجه المجمع الكيميائي بدوره مجموعة من العراقيل التي تحد من قدرته على استغلال طاقاته الإنتاجية. فقد أشارت وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة في وقت سابق، إلى النقص الكبير في الموارد البشرية وعدم القيام بالانتدابات الضرورية، إضافة إلى نقص قطع الغيار وعدم توفر بعض الحاجيات الأساسية لتشغيل الوحدات، وخاصة الكهرباء في قابس. كما يمثل ضعف جاهزية منظومة النقل والسكك الحديدية ونقص المياه الصناعية عوامل إضافية تضغط على انتظام الإنتاج

وتكتسي معالجة هذه الاختلافات أهمية خاصة في ضوء الأهداف الجديدة للبرنامج. فمن المنتظر أن يبلغ تحويل الفسفاط نحو 2.4 مليون طن في نهاية 2025، قبل أن يرتفع إلى 4.5 مليون طن في 2026 ثم إلى 6.5 مليون طن في أفق 2030. وتحقيق هذه الأرقام لن يكون ممكنًا بمجرد زيادة الإنتاج المنجمي، بل يتطلب إعادة تأهيل الوحدات الكيميائية، وتأمين التزويد بالطاقة والمياه، وتوفير قطع الغيار والموارد البشرية، وتحسين منظومة النقل

كما يفرض مستقبل المجمع معالجة كلفته البيئية المتراكمة. وتشمل المشاريع المبرمجة الحد من انبعاثات أكسيد الآزوت وغاز N2O وتحسين غسل غازات الأمونيا، إلى جانب وقف سكب الفسفوجيبس في البحر وإنشاء موقع تخزين مراقب والعمل على تثمين هذه المادة في قطاعات أخرى. ويضاف إلى ذلك تجديد وحدات إنتاج الحامض الكبريتي بوحدات أكثر قدرة وأفضل مواصفات بيئية

وتبرز أهمية هذه المشاريع من كونها لا تمثل مجرد استثمارات بيئية، بل جزءًا من إعادة بناء القدرة التنافسية للمجمع. فرفع طاقة التحويل وتحسين الكفاءة وتقليص التوقف عن العمل سيمكن تونس من تعظيم القيمة المضافة للفسفاط، بدل الاكتفاء بتحسين أرقام الاستخراج

وبذلك، فإن نجاح برنامج الفسفاط إلى 2030 سيقاس ليس فقط  بالكميات المستخرجة، وإنما بقدرة المجمع الكيميائي على تحويلها إلى منتجات صناعية وتصديرية ذات قيمة أعلى. فاستعادة مكانة الفسفاط التونسي تمر بالضرورة عبر استعادة قوة المجمع الكيميائي، باعتباره الحلقة التي يمكن أن تحول تحسن الإنتاج المنجمي إلى مكاسب فعلية للاقتصاد التونسي

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115