41 ألف تذكرة تكسر الرقم القياسي في لندن: فريدا كاهلو.. المرأة التي حوّلت وجعها أجنحة وألمها ألوانا
- بقلم ليلى بورقعة
- 15:17 23/06/2026
بعض الفنانين يرسمون العالم كما يرونه، أما فريدا كاهلو فكانت ترسم العالم
كما تشعر به. هي سيرة امرأة صنعت من الألم لونا فكانت لوحاتها صفحات من حياتها كتبتها بالألوان بدل الكلمات.
في لندن هذه الأيام، يقف آلاف الزوار في طوابير طويلة من أجل لقاء طيف امرأة رحلت منذ أكثر من سبعين سنة ولا تزال قادرة على جذب الاهتمام والإعجاب. أكثر من 41 ألف تذكرة بيعت مُسبقا لمعرض «فريدا.. صناعة أيقونة» في متحف "تيت مودرن" ، ليصبح المعرض الأكثر مبيعا في تاريخ المتحف.
يضم المعرض أكثر من ثلاثين لوحة من أشهر بورتريهاتها الذاتية، وأكثر من 200 عمل لفنانين استلهموا إرثها في تخليد لقصة رسامة تحدّت انكساراتها ورفضت أن تهزمها الحياة. فجسدها الذي أنهكته الحوادث والعمليات الجراحية لم يكن قيدا بقدر ما كان قادحا لرؤيتها الخاصة للعالم. وبينما كان الآخرون يتعاطفون مع جراحها، كانت هي تحوّل الألم إلى مادة للرسم. وبينما كان الوجع يسكن جسدها، كانت الألوان تسكن روحها. فما كان يمكن أن يكون نهاية حلمها، أصبح بداية حكايتها. ففي تلك الغرفة الصامتة، وبين جدران الوحدة، أمسكت الفرشاة للمرة الأولى. كانت ترسم كي تنجو، وكي تمنح الألم شكلا يمكن احتماله.
لاحقا ستقول عبارتها الشهيرة: «لِمَ أحتاج إلى قدمين ما دمت أملك أجنحة للطيران؟»، وكأنها كانت تعلن منذ ذلك الوقت أن الجسد قد يُكسر، لكن الروح تستطيع دائما أن تجد طريقها إلى التحليق... إلى الإبداع. فهذه المرأة التي قضت أشهرا طويلة طريحة الفراش لم تتعلم الاستسلام، بل تعلمت الطيران بطريقة أخرى... بالفرشاة واللون والحلم.
في لوحاتها لا تظهر ملامح البطولات الصاخبة في مواجهة المرض، بل شجاعة هادئة في مواجهة الأنوثة الجريحة أمام المرآة. رسمت فريدا نفسها عشرات المرات، ليس بدافع النرجسية كما ظن البعض، بل لأنّ نفسها كانت أقرب موضوع إليها. كانت تقول: «أرسم نفسي لأنني أكثر شخص أعرفه». وفي كل لوحة كانت تكشف جزءا من روحها، أحزانها وأحلامها ومخاوفها وقوتها، حتى تحولت ملامحها المميزة إلى واحدة من أشهر الوجوه في تاريخ الفن. ومن هذه المعرفة العميقة للنفس والتصالح مع الجسد، ولدت أعمال استطاعت أن تتجاوز حدود المكسيك واللغة والزمن لتصل إلى كل إنسان تجرّع يوما مرارة الفقد أو الحب أو الوحدة.
اشتهرت فريدا كاهلو برسم البورتريهات الذاتية واستخدامها لنمط الفن الشعبي، لاستكشاف قضايا الهوية وما بعد الاستعمار والجنس والطبقية والعرق في المجتمع المكسيكي... وأصبحت ملامحها المألوفة، مثل الحاجبين المتصلين الكثيفين والشارب المهمل علامة دالة عليها، ولا تشبه أحدا غيرها.
ربما لهذا السبب ما زالت فريدا كاهلو حاضرة بقوة إلى اليوم. ومازالت تترجم حكاية امرأة شجاعة حوّلت هشاشتها إلى قوة، ووجعها إلى جمال، وعزلتها إلى لغة يفهمها الجميع.
تزوجت من الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا، وعاشت معه علاقة مضطربة جمعت الحب والخلاف والشغف والألم. لكن حتى في أكثر مراحل حياتها تعقيدا، لم تتخلَّ عن فنها ولا عن قناعاتها. كانت تؤمن بأن الحياة تستحق أن تُعاش رغم كل شيء، وأنّ الجمال يمكن أن يولد من قلب المعاناة.
في عام 1953 أقيم لها أول معرض فردي في المكسيك، وكانت طريحة الفراش وقتها، لكنها أصرت على حضور معرضها وهي ممددة على السرير .
زادت شهرة فريدا بعد وفاتها عام 1954، حيث تحول منزلها إلى متحف. كما تحولت لوحاتها إلى لغة عالمية تتحدث عن الهوية والحب والوجع والمقاومة.
حين قالت: «أرسم الأزهار كي لا تموت»، كانت، دون أن تدري، ترسم مصيرها هي أيضا. فالأزهار التي حفظتها في لوحاتها لم تمت، وكذلك فريدا.
لقد أثبتت فريدا كاهلو أن الفن ليس هروبا من الحياة، بل مواجهة لها. وأنّ الإنسان قد لا يختار جراحه، لكنه يستطيع أن يختار ما يصنعه منها. ولهذا بقيت فريدا خالدة باعتبارها فنانة مختلفة، وقصة إنسانية ملهمة، وامرأة علمت العالم كيف تتحوّل الندوب إلى أجنحة لا تنكسر.
آخر مقالات ليلى بورقعة
- من إخراج رضوان الهنودي: «يمة سامحيني» مرثية البرّ والعصيان... و"العقوق الثقافي"
- من تنظيم مخبر "نحو الخطاب وبلاغة التداول" بكلية الآداب بمنوبة: "من عالم الحس إلى عالم اللغة: التقاطع والحدود"
- فاز بجائزة البابطين للإبداع الشعري: محمد صالح البوعمراني يكتب تتويج تونس بالحبر النقدي
- في القائمة القصيرة لـ "جائزة الإبداع الروائي العربي": العجمي بن بوبكر يُبحر بالسرد في صحراء المفارقات
- «هجرة الشمس» جديد أدونيس: "الحرب وحش يلتهم الكون!"