الدين المحلية أصبح أحد الخيارات الرئيسية أمام الدول النامية لمواجهة صعوبات التمويل الخارجي وتقلبات الأسواق العالمية. ويرى الصندوق أن الاقتراض الداخلي يتيح للحكومات التمويل بعملاتها الوطنية، مما يقلص مخاطر أسعار الصرف ويحد من الضغط على احتياطات النقد الأجنبي، كما يمنحها هامشا أكبر في إدارة الدين ضمن الأطر القانونية المحلية.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولا تدريجيا في هيكلة دينها العمومي، حيث اتجهت الدولة بشكل متزايد نحو تعبئة الموارد من السوق المحلية لتعويض تراجع اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.
وتظهر بيانات وزارة المالية أن الدين الخارجي للدولة التونسية تراجع من 66.9 مليار دينار سنة 2023 إلى 62.5 مليار دينار سنة 2024، مع توقعات بانخفاضه إلى 57 مليار دينار سنة 2025 ثم إلى 56.5 مليار دينار سنة 2026. في المقابل، يواصل الدين العمومي الإجمالي ارتفاعه ليبلغ نحو 145 مليار دينار سنة 2025 ثم 156.7 مليار دينار سنة 2026.
وتعني هذه الأرقام أن الجزء الأكبر من الزيادة في المديونية أصبح يأتي من الاقتراض الداخلي. فبحساب الفارق بين حجم الدين الإجمالي والدين الخارجي، يتضح أن الدين الداخلي ارتفع من نحو 60 مليار دينار سنة 2023 إلى أكثر من 82 مليار دينار متوقعة سنة 2025، ثم إلى حوالي 100 مليار دينار سنة 2026، وهو ما يعكس تحولا واضحا في سياسة التمويل العمومي.
ويتقاطع هذا المسار مع ما أورده صندوق النقد الدولي من مزايا لأسواق الدين المحلية، إذ يساعد الاقتراض بالدينار التونسي على الحد من تأثير تراجع قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لتونس التي ظلت لسنوات تواجه ضغوطا ناتجة عن خدمة الدين الخارجي المقوم أساسا باليورو والدولار.
كما يؤكد الصندوق أن ازدهار سوق الدين المحلية يساهم في تطوير الأسواق المالية وتعزيز فعالية السياسة النقدية عبر تكوين منحنى عائد يساعد على تسعير المخاطر وتوجيه الاستثمارات. ويرى عدد من الخبراء أن تونس تسعى بدورها إلى تعزيز هذا المسار عبر التوسع في إصدار سندات الخزينة والاعتماد أكثر على التمويل الداخلي.
غير أن صندوق النقد الدولي يحذر في المقابل من جملة من المخاطر التي ترافق هذا التوجه، أبرزها ارتفاع تكلفة الاقتراض المحلي وقصر آجال الاستحقاق مقارنة بالقروض الخارجية الميسرة. فكلما اعتمدت الدولة على ديون قصيرة الأجل، زادت حاجتها إلى إعادة التمويل بشكل متكرر، وهو ما قد يرفع من مخاطر التجديد ويزيد من أعباء الفائدة مستقبلا.
وفي الحالة التونسية، بدأت هذه المخاطر تظهر تدريجيا. فحسب بيانات سنة 2025، ارتفعت أعباء الفائدة على الدين الداخلي مقارنة بالسنة السابقة، نتيجة التوسع في الاقتراض من السوق المحلية وارتفاع كلفة التمويل. كما سجلت المالية العمومية تحولا واضحا نحو تحميل السوق المحلية جزءا أكبر من حاجيات الدولة التمويلية.
ومن بين المخاطر الأخرى التي أشار إليها صندوق النقد الدولي احتمال مزاحمة الدولة للقطاع الخاص على التمويل. فحين تستحوذ الحكومة على جزء كبير من السيولة المتوفرة لدى البنوك عبر الاكتتاب في سندات الخزينة، تتراجع الموارد المتاحة لإقراض المؤسسات الاقتصادية، خاصة الصغرى والمتوسطة منها. ويعد هذا التحدي من أبرز الإشكاليات المطروحة في تونس، حيث تشكو المؤسسات منذ سنوات من صعوبة النفاذ إلى التمويل والاستثمار.
ورغم هذه التحديات، يبدو أن تونس ماضية في خيار تعزيز الاقتراض المحلي في ظل تراجع الاعتماد على التمويلات الخارجية. فبحلول سنة 2026، ينتظر أن تتجاوز حصة الدين الداخلي 64 بالمائة من إجمالي الدين العمومي مقابل نحو 36 بالمائة فقط للدين الخارجي، في تحول غير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة التي كان فيها الدين الخارجي يمثل المكون الرئيسي للمديونية التونسية.
وبين مزايا تقليص مخاطر الصرف الخارجي ومخاطر الضغط على السيولة المحلية وارتفاع كلفة التمويل، يبقى نجاح هذا التوجه رهينا بقدرة الدولة على تطوير سوق مالية أكثر عمقا وشفافية، وإرساء سياسات مالية تضمن التوازن بين حاجيات التمويل ومتطلبات النمو الاقتصادي والاستثمار.