نمو بـ2.6% خلال الثلاثي الأول من 2026: تحسن ظرفي واستدامته رهينة الظروف الداخلية والعالمية

سجّل الاقتصاد التونسي خلال الثلاثي الأول من سنة 2026

نسبة نمو بلغت 2.6 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي، وفق التقديرات الأولية للحسابات القومية الثلاثية، في نتيجة تعكس تحسنا نسبيا مقارنة بالسنوات الأخيرة التي اتسمت بضعف النشاط الاقتصادي وتباطؤ الاستثمار وتراجع القدرة الشرائية.

ويأتي هذا النمو في سياق اقتصادي دقيق تعيشه تونس، يتميز بمحاولات استعادة التوازنات المالية، والحد من الضغوط التضخمية، إلى جانب مواصلة مواجهة اختلالات الميزان التجاري وارتفاع حاجيات التمويل العمومي.
رغم أن نسبة النمو المسجلة تبقى محدودة مقارنة بحاجيات الاقتصاد الوطني، فإنها تتجاوز عددا من التوقعات الدولية التي كانت ترجّح نموا أكثر تواضعا خلال سنة 2026. فقد حافظ صندوق النقد الدولي على توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي عند مستوى 2.1 بالمائة لسنة 2026، مع تحذيره من استمرار هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية.
ويبدو أن الأداء المسجل خلال بداية السنة قد استفاد أساسا من تحسن النشاط الفلاحي، الذي مثّل أبرز محركات النمو، بعد تسجيل ارتفاع في القيمة المضافة بنسبة 6.8 بالمائة، مساهما بـ0.6 نقطة في النمو العام. كما ساهمت الصناعات المعملية في دعم النشاط الاقتصادي، خاصة الصناعات الغذائية التي حققت نموا لافتا بنسبة 15.1 بالمائة، إلى جانب تطور الصناعات الميكانيكية والكهربائية.
في المقابل، ما تزال بعض القطاعات تواجه صعوبات واضحة، على غرار قطاع البناء الذي سجل تراجعا بـ7.1 بالمائة، إضافة إلى قطاع النسيج والملابس والأحذية الذي واصل الانكماش بنسبة 5.8 بالمائة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على المؤسسات الصناعية الموجهة للتصدير.
كما حافظ قطاع الخدمات على مساهمته الإيجابية في النمو، مدعوما بتحسن نشاط السياحة والنقل والخدمات الرقمية، حيث ارتفعت القيمة المضافة لقطاع النزل والمطاعم والمقاهي بـ4 بالمائة، وقطاع الإعلامية والاتصال بـ4.1 بالمائة.
وعلى مستوى الطلب، سجّل الطلب الداخلي ارتفاعا بـ5.2 بالمائة، مدفوعا بتحسن نسق الاستهلاك والاستثمار، ليساهم بأكثر من خمس نقاط في النمو الاقتصادي. غير أن هذا التحسن قابله ضغط متواصل من المبادلات الخارجية، بعد ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، ما أدى إلى مساهمة سلبية لصافي المبادلات الخارجية في النمو.
وتتزامن هذه المؤشرات مع توجهات قانون المالية لسنة 2026 الذي راهن على تحقيق نمو اقتصادي في حدود 3.2 بالمائة، عبر دعم الاستثمار العمومي، وتحسين تعبئة الموارد الذاتية للدولة، إلى جانب مواصلة التحكم في عجز الميزانية وترشيد نفقات الدعم، خاصة في قطاع الطاقة. وتشير المعطيات الحكومية إلى سعي الدولة إلى تقليص كلفة دعم المحروقات والكهرباء ضمن إصلاحات الميزانية.
في المقابل، ترى المؤسسات المالية الدولية أن الاقتصاد التونسي ما يزال يواجه تحديات هيكلية تحدّ من قدرته على تحقيق نسب نمو مرتفعة ومستدامة، من بينها ضعف الاستثمار الخاص، وارتفاع الدين العمومي، وتباطؤ نسق الإصلاحات الاقتصادية، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بالتمويل والطاقة.
ويرى متابعون أن نسبة النمو المسجلة خلال الثلاثي الأول تمثل إشارة إيجابية، لكنها تبقى غير كافية لإحداث تحول اقتصادي فعلي أو لخلق نسق تشغيل قادر على استيعاب أعداد العاطلين عن العمل، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا.
ويبقى الرهان الأساسي خلال بقية سنة 2026 مرتبطا بقدرة الاقتصاد التونسي على الحفاظ على نسق النمو الحالي، وتحويل التحسن الظرفي في بعض القطاعات إلى انتعاشة اقتصادية أكثر استدامة، في ظل استمرار الضغوط الاجتماعية والمالية داخليا، والتقلبات الاقتصادية على المستوى الدولي.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115