موجة من التحركات الاحتجاجية شملت عددا من الولايات والقطاعات المهنية، ورفعت خلالها شعارات تطالب بالتشغيل وتسوية الوضعيات المهنية وتحسين ظروف العمل والحق في بيئة سليمة وخدمات أساسية تحفظ كرامة المواطنين. وتوزعت التحركات بين وقفات احتجاجية واعتصامات ومسيرات سلمية وحمل الشارة الحمراء، قادها معطلون عن العمل وعمال وموظفون ومحامون وأهال من مناطق داخلية، في وقت تؤكد فيه مؤشرات المرصد الاجتماعي تصاعد نسق الاحتجاجات خلال الأشهر الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة منذ بداية السنة.
شملت التحركات ولايات القيروان وقفصة وأريانة وتطاوين والقصرين ومدنين وغيرها، في مشهد اجتماعي يعكس تصاعد منسوب الاحتقان والتوتر الاجتماعي، حيث نفذ عدد من أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم بولاية القيروان، أمس وقفة احتجاجية للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بضبط أحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين تجاوزت بطالتهم عشر سنوات.
"شهائد جامعية" للبيع
رفع المحتجون شعارات تطالب الحكومة بالإسراع بفتح المنصة الإلكترونية الخاصة بالانتداب وإصدار الأوامر الترتيبية المتعلقة بالقانون، مؤكدين أن مرور خمسة أشهر على صدوره ودخوله حيز النفاذ دون تنفيذ فعلي يمثل "سياسة تسويف ومماطلة"، وفق تعبيرهم. كما عمد عدد من المشاركين إلى رفع لافتات عرضوا فيها شهائدهم الجامعية للبيع في حركة رمزية للتعبير عن حالة الإحباط التي يعيشها المعطلون عن العمل، مطالبين بانتداب الدفعة الأولى فورا ووضع روزنامة واضحة لبقية الدفعات. وفي تحرك احتجاجي ذي طابع بيئي وتنموي، انطلقت أمس مسيرة سلمية من منطقة الرويسات بالقيروان باتجاه قصر قرطاج للمطالبة بالحق في بيئة سليمة وتنمية عادلة ومستدامة، وذلك انطلاقا من خيمة الاعتصام المقامة أمام مصنع "سوتاسيب". ويأتي هذا التحرك بعد اعتصام متواصل منذ 25 أفريل الماضي، يخوضه عدد من شباب المنطقة احتجاجا على ما يعتبرونه أضرارا بيئية خطيرة ناجمة عن استعمال مادة "الكوك البترولي" داخل المصنع، وما خلفته من أضرار صحية وبيئية وفلاحية، إضافة إلى تشققات طالت المنازل والمؤسسات التربوية المجاورة.
فتح ملف التلوث البيئي
ودعا نشطاء ومكونات من المجتمع المدني إلى مساندة أهالي الرويسات، مطالبين السلطات المركزية بفتح ملف التلوث البيئي بالمنطقة واتخاذ إجراءات عاجلة للحد من تداعياته. كما شهدت مدن الرديف وأم العرائس والمتلوي سلسلة من الاحتجاجات العمالية، حيث نظم عمال شركات البيئة وقفات احتجاجية للمطالبة بتسوية أوضاعهم المهنية وتحسين ظروف العمل وصرف المستحقات المالية المتأخرة. كما احتج عمال شركة نقل المواد المنجمية بالمتلوي والمظيلة للمطالبة بجملة من الحقوق المهنية والاجتماعية، في ظل تواصل حالة الاحتقان بجهة الحوض المنجمي التي تعرف منذ سنوات تحركات اجتماعية متكررة مرتبطة بالتشغيل والتنمية.
موظفو اتحاد الشغل يحتجون
بدورهم، نفذ أعوان وموظفو الاتحاد العام التونسي للشغل مركزيا وجهويا، إضافة إلى صحفيي جريدة "الشعب"، وقفات احتجاجية بعدة مقرات، تنديدا بما اعتبروه تراجعا عن حقوقهم الاجتماعية والمهنية. ورفع المحتجون شعارات تطالب بتحسين الأجور وتوضيح الرؤية بخصوص مستقبل الأعوان والصحفيين داخل المنظمة، إلى جانب المطالبة بتفعيل جملة من الحقوق المتعلقة بالحماية الاجتماعية ومنح الإنتاج ووصولات الأكل وبقية الامتيازات المهنية. وأكد المحتجون أن التحركات ستتواصل عبر حمل الشارة الحمراء وتنفيذ أشكال تصعيدية أخرى في صورة عدم الاستجابة لمطالبهم.
المحامون يدخلون في تحركات احتجاجية
قطاع آخر انطلق في تنفيذ سلسلة من التحركات الاحتجاجية، وهو قطاع المحامين بدعوة من الهيئة الوطنية للمحامين والبداية كانت بحمل الشارة الحمراء بمختلف محاكم الجمهورية، احتجاجا على ما وصفته بتجاهل مطالب المحاماة، كما أعلنت الهيئة عن سلسلة من الإضرابات الجهوية بداية من اليوم الثلاثاء 19 ماي الجاري، تشمل مختلف محاكم البلاد، وصولا إلى تنفيذ إضراب عام وطني حضوري يوم 18 جوان 2026 بكافة المحاكم. كما نظمت اللجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء "أسطول الصمود والحق الفلسطيني" وقفة احتجاجية صباح أمام المحكمة الابتدائية بأريانة للمطالبة بإطلاق سراح الناشط أسامة الظاهري، الذي تم إيقافه فجر أمس وفق ما أعلنته اللجنة. وأكد المشاركون أن الوقفة تأتي رفضا لما وصفوه بـ"الإيقاف غير المبرر"، معبرين عن تضامنهم مع الناشطين الداعمين للقضية الفلسطينية.
اعتصامات مفتوحة
وفي بنقردان، قرر عمال شركة الملح "تونيسال" مواصلة اعتصامهم بعد فشل جلسة صلحية انعقدت مؤخرا بإشراف تفقدية الشغل. ويطالب العمال بصرف مستحقاتهم القانونية المتخلدة بذمة الشركة، متهمين الإدارة بالتعنت ورفض الاستجابة لمطالبهم رغم قبولهم بالمقترحات المقدمة خلال جلسة التفاوض. وتواصل كذلك اعتصام 14 عاملة وعاملا من أعوان الغسيل والنظافة بالشركة الجهوية للنقل بالقصرين داخل مقر وزارة النقل بالعاصمة منذ 55 يوما، احتجاجا على عدم تسوية وضعياتهم المهنية رغم صدور قانون يمنع المناولة. كما يواصل عمال دار المؤسسات البترولية وشركة الجنوب للخدمات بتطاوين اعتصامهم داخل مقر وزارة الصناعة والطاقة للمطالبة بتسوية ملفاتهم المهنية والاجتماعية.
تصاعد غير مسبوق للاحتجاجات خلال أفريل
تأتي احتجاجات يوم أمس في سياق اجتماعي متوتر، بعد أن سجل شهر أفريل المنقضي ارتفاعا لافتا في عدد التحركات الاحتجاجية، حيث بلغ عددها 604 تحركات مقابل 462 خلال شهر مارس، أي بزيادة تفوق 30 بالمائة، وفق المرصد الاجتماعي التونسي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتصدرت المطالب المتعلقة بتحسين ظروف العمل وتسوية الوضعيات المهنية والتشغيل وصرف المستحقات قائمة دوافع الاحتجاج، بينما كانت ولايات تونس ومدنين والقصرين ونابل وقفصة الأكثر تسجيلا للتحركات. كما تصدر العمال والمعطلون عن العمل والمواطنون قائمة الفاعلين الاجتماعيين الأكثر احتجاجا، في حين شكلت الوقفات الاحتجاجية والإضرابات والاعتصامات أبرز أشكال التحرك خلال الفترة الأخيرة.
مؤطر:
اعتراض وإيقاف مسيرة منطقة الرويسات في اتجاه قصر قرطاج
أفاد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان نشره على صفحته الرسمية أنه في متابعة للمسيرة السلمية التي انطلقت مشيا على الأقدام من قبل أهالي منطقة الرويسات في اتجاه قصر قرطاج، تم اعتراض وإيقاف المسيرة على مستوى منطقة الكندار، من قبل قوات الأمن. وقد أفادت السلطات الأمنية الأهالي بأن التدخل جاء في إطار الإجراءات التنظيمية المتعلقة بالمسيرات والتجمعات. هذا وبعد انتظار دام لأربعة ساعات تم إعلام الأهالي بأنه لن يسمح لهم بمواصلة طريقهم إلى قصر قرطاج كما تم مطالبتهم بالعودة إلى القيروان لحضور جلسة تفاوض يترأسها والي القيروان.
- التشغيل والبيئة والحقوق الاجتماعية والمهنية في صدارة المطالب