وزارة المالية تدعو اتّحاد الشغل لإبداء رأيه حول قانون المالية 2027: هل هي بداية انفراج أم مجرد مشاورات تقنية؟

في خطوة لافتة أعادت الحديث عن إمكانية إنهاء حالة

القطيعة بين السلطة والاتحاد العام التونسي للشغل، تلقّى الأمين العام للاتحاد صلاح الدين السالمي مراسلة من وزيرة المالية تدعو فيها المنظمة الشغيلة إلى تقديم مقترحاتها بخصوص مشروع ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2027، في تطور اعتبره البعض مؤشرا أوليا على محاولة إعادة فتح قنوات التواصل بين الحكومة والمنظمة النقابية .
وتأتي هذه الدعوة في ظرف دقيق، يتسم بتوتر العلاقة بين الاتحاد والسلطة خلال السنوات الأخيرة، على خلفية تعطل الحوار الاجتماعي وتباين المواقف حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الانتقادات المتبادلة بشأن الإصلاحات الاقتصادية والأجور والقدرة الشرائية.
"التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027"
المراسلة الموجهة إلى الاتحاد قد تحمل أبعادا سياسية واجتماعية تتجاوز الجانب المالي، فدعوة الاتحاد إلى إبداء الرأي في التوجهات الكبرى لقانون المالية تعني عمليا الاعتراف بدوره كشريك اجتماعي في رسم السياسات العمومية، بعد فترة اتسمت بتراجع منسوب التواصل بين الطرفين، ووفق مصادر نقابية، فإن الاتحاد سيعهد إلى خبرائه وهياكله المختصة بإعداد تصورات ومقترحات تتماشى مع رؤيته الاقتصادية والاجتماعية، على أن يتم لاحقا نشر موقفه الرسمي بعد استكمال النقاشات الداخلية. وفي هذا الإطار، يستعد قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد لتنظيم مائدة مستديرة بالمقر المركزي للمنظمة يوم غد الجمعة 15 ماي الجاري، تحت عنوان "التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027"، وينشطها كل من كريم الطرابلسي ومنجي إسماعيلي، في خطوة تعكس رغبة الاتحاد في بلورة مقاربة تشاركية تقوم على التشخيص الاقتصادي وتقديم البدائل.
الاتحاد يتمسك بالحوار الاجتماعي
توجيه الدعوة إلى الاتحاد يمثل بداية "إذابة للجليد" بين الحكومة والمنظمة، خاصة وأن العلاقة بين الطرفين شهدت خلال الفترة الماضية توترا واضحا وغيابا لآليات الحوار المنتظم. وفي المقابل، لم يتوقف الاتحاد العام التونسي للشغل خلال الأسابيع الماضية عن التأكيد على تمسكه بالحوار الاجتماعي كآلية أساسية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فقد جدّد الأمين العام صلاح الدين السالمي، خلال اجتماع مجمع الوظيفة العمومية بدار الاتحاد بالعاصمة، التأكيد على أن المنظمة تعتبر الحوار ضرورة وطنية، مشددا على أن "الجميع اليوم في حاجة إلى الحوار ودعم منسوب الثقة". وأكد السالمي أن الحوار الاجتماعي لا يقتصر على المطالب المادية أو الزيادات في الأجور، بل يشمل مختلف الأبعاد المهنية والاجتماعية والتنظيمية، معتبرا أنه يمثل "متنفسا حقيقيا لمعالجة التوترات داخل المؤسسات وضمان استقرارها".
ثقافة الحوار.. خيار استراتيجي
وأوضح صلاح الدين السالمي أن التجارب السابقة أثبتت أن غياب الحوار يؤدي إلى مزيد تعقيد الأوضاع، بينما يساهم التفاوض الجدي في تجاوز الأزمات وتحقيق نتائج إيجابية، داعيا إلى ترسيخ ثقافة الحوار كخيار استراتيجي في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، شدّد الأمين العام على أن الحق النقابي وحق التفاوض من الثوابت الأساسية للمنظمة، مؤكدا أن تعطيل الحوار أو غياب نتائجه قد يدفع الاتحاد إلى اعتماد أشكال نضالية مختلفة للدفاع عن حقوق الشغالين.
إصلاح داخلي
الرسائل الصادرة عن قيادة الاتحاد خلال الأسابيع الأخيرة لم تقتصر على العلاقة مع الحكومة فقط، بل شملت أيضا الوضع الداخلي للمنظمة، فخلال مؤتمر الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة المنعقد يوم 5 ماي الجاري، أكد السالمي أن الاتحاد يعيش أزمة داخلية تستوجب توحيد الصف النقابي وطي صفحة الخلافات السابقة، معتبرا أن المرحلة الحالية تتطلب استعادة "بوصلة المنظمة" ودورها التاريخي. كما أشار إلى أن الهيئة الإدارية الوطنية ستنظر في ملف المصالحة بين النقابيين ومعالجة مختلف الملفات التنظيمية العالقة، في إطار توجه يهدف إلى إعادة بناء الثقة داخل هياكل الاتحاد ولمّ شمل النقابيين.
من جهته، اعتبر الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بقفصة محمد الصغير الميراوي أن المنظمة تواجه "هجمة تستهدف العمل النقابي"، ما يفرض مزيد الالتفاف حول الاتحاد والدفاع عن استقلاليته. أما الأمين العام المساعد الطاهر المزي فقد أكد أن الاتحاد يعمل حالياً على إصلاح هياكله وتعصير آليات عمله وتطوير أساليب التعبئة والانخراطات، رغم الصعوبات التي تمر بها المنظمة.
الملف الاجتماعي يعود إلى الواجهة
تزامنت هذه التطورات مع تجدد الحديث عن تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، وهي ملفات لطالما شكلت محور توتر بين الاتحاد والحكومة. وقد اعتبر السالمي أن الزيادات الأخيرة في الأجور "دون المأمول"، في ظل الغلاء المتواصل والصعوبات الاقتصادية التي تواجه الأجراء، مؤكدا أن معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تتم دون "حوار اجتماعي حقيقي وصادق بعيدا عن إقصاء الأطراف الاجتماعية". ويبدو أن المنظمة النقابية تسعى في المرحلة المقبلة إلى الموازنة بين التمسك بالحوار من جهة، والاستعداد للتحركات النضالية من جهة أخرى، بهدف الضغط لإعادة فتح الملفات الاجتماعية العالقة.
مؤشر لكسر القطيعة
ورغم أن مراسلة وزارة المالية لا تعني بالضرورة عودة كاملة للعلاقة الطبيعية بين الاتحاد والحكومة، فإنها تمثل على الأقل مؤشرا على وجود رغبة في كسر القطيعة وفتح باب التواصل من جديد. وتبقى طبيعة المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى استعداد الطرفين لعودة العلاقات بينهما لاسيما استئناف المفاوضات وتفعيل مجلس الحوار الاجتماعي.

 

 

 

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115