والأدائية الأهم التي تُجسد طموحات نيودلهي في صياغة نظام عالمي "جنوب-جنوب" يتسم بالندية والتنمية المشتركة. فمنذ انطلاق نسختها الأولى في عام 2008، لم تعد القمة مجرد تجمع دوري، بل تحولت إلى فضاء استراتيجي يجمع القوى الهندية الصاعدة بـ 54 دولة أفريقية، بهدف مواجهة التحديات الكبرى كالأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والطاقة النظيفة.
وتكتسب القمة الرابعة المقررة في موفى ماي 2026 أهمية استثنائية، كونها تأتي في ظرفية جيوسياسية معقدة، تسعى من خلالها الهند إلى تثبيت نموذجها التنموي القائم على "التمكين المتبادل" ونقل التكنولوجيا، بعيدا عن سياسات الديون الثقيلة، مراهنة على قوتها الناعمة وتاريخها المشترك مع القارة السمراء لتكون الشريك الأول في نهضتها الاقتصادية المرتقبة
خارطة طريق نحو المستقبل
في هذا السياق جاء لقاء الوفد الهندي في تونس، ضمن فعاليات مؤتمر "فيتا 2026"، ليكون بمثابة كان إعلان صريح عن ولادة "محور ثلاثي" جديد (هندي- تونسي- أفريقي). هذا المحور لا يكتفي بالأرقام التجارية التي كسرت حاجز الـ 500 مليون دولار، بل يطمح لرسم خارطة طريق اقتصادية تجعل من تونس الجسر الذي يربط العمق الآسيوي بالقارة السمراء.
لسنوات طويلة، انحصرت العلاقة بين تونس ونيودلهي في "مربع الفسفاط"، لكن التصريحات الأخيرة للقائم بالأعمال الهندي، راجيف كومار، تؤكد أن العلاقات التونسية الهندية تشهدا تطورا ملحوظا. فالهند اليوم لا تبحث في تونس عن المواد الخام فحسب، بل تبحث عن "الذكاء التونسي" في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والصناعات الصيدلانية، ومكونات السيارات.
إن التوجه نحو إرساء اتفاقية تجارة تفاضلية ومنع الازدواج الضريبي هو بمثابة "تعبيد للطريق" أمام تدفق الاستثمارات التي لم تعد تخشى العوائق البيروقراطية، بل تبحث عن بيئة قانونية محفزة تحمي المصالح المشتركة.
لماذا تونس؟ الإجابة تكمن في الجيوسياسية الاقتصادية. فالهند، التي تمتلك استثمارات في أفريقيا تتجاوز 75 مليار دولار، تدرك أن التوغل في القارة السمراء يحتاج إلى "منصة لوجستية" آمنة وموثوقة.
تونس، بموقعها الاستراتيجي وكفاءاتها البشرية وعلاقاتها المتجذرة عبر مجلس الأعمال التونسي الأفريقي، تقدم للهند ما لا تقدمه جغرافيا أخرى مثل الخبرة في إدارة المشاريع داخل العمق الأفريقي. إنها "الشراكة الذكية" التي تجعل من تونس شريكاً في التنمية، لا مجرد ممر للسلع.
أفريقيا 2050.. الرهان الكبير
الأرقام التي طرحها الوفد الهندي حول مستقبل القارة مرعبة بفرصها، فوصول عدد سكان أفريقيا إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وحاجتها لاستثمارات سنوية في البنية التحتية تصل إلى 170 مليار دولار، تجعل من "التعاون الثلاثي" ضرورة لا ترفا.
الهند، بخبرتها في الاقتصاد الرقمي (الذي بلغ 180 مليار دولار في القارة) وفي مجال الطاقة الشمسية، تجد في تونس الشريك المثالي لتنفيذ مشاريع كبرى في دول مثل مالي والنيجر وغينيا، وهي مناطق تمثل امتدادا طبيعيا للمصالح التونسية أيضا.
سيكون شهر ماي 2026 محطة حاسمة، فبين اجتماعات اللجنة المشتركة في نيودلهي والقمة الرابعة لمنتدى الهند- أفريقيا، كل ذلك بانتظار ترجمة هذه النوايا إلى "مجلس أعمال مشترك" واتفاقيات ملموسة.
إن الرهان اليوم ليس في رفع التبادل إلى مليار دولار فحسب، بل في قدرة الدبلوماسية الاقتصادية التونسية على استثمار "الرغبة الهندية" لتحويل تونس إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والطاقة البديلة، لتكون تونس بذلك "جسر القرن الحادي والعشرين" الذي يربط صعود الشرق (الهند) بمستقبل العالم (أفريقيا).
بعيد انطلاق منتدى الهند -أفريقيا الرابع تونس والهند: نحو شراكة عابرة للقارات
- بقلم روعة قاسم
- 15:19 14/05/2026
تعد قمة منتدى الهند - أفريقيا (IAFS) المنصة الدبلوماسية
آخر مقالات روعة قاسم
- قمة شي جينبينغ - ترامب الصين ترسم حدود الاستقرار الدولي في مواجهة واشنطن
- تداعيات عابرة للقارات طهران ترفض الانحناء وترامب يلوح بالتصعيد
- فيما العالم يترقب قمة بكين بين شي جينبينغ وترامب صمود طهران ورهانات ترامب.. الشرق الأوسط بين فكي هرمز
- العالم يترقب رد طهران ومخاوف من شلل طاقي ممتد
- الخليج فوق صفيح المواجهة الإيرانية الأمريكية دبلوماسية "الفرصة الأخيرة" في مواجهة طبول الحرب