الضفة الغربية.. جبهة "الإبادة الصامتة" من الاحتلال الى الاحلال

بينما تتجه أنظار العالم نحو أشلاء غزة ودمارها

المشهود، تدور في أزقة الضفة الغربية وتلال القدس رحى حرب من نوع آخر. حرب لا تعتمد فقط على القذائف بل على الجرافات التي تنهش الأرض، والقرارات الصهيونية التي تقتلع أصحاب الأرض من جذورهم.
فما يحدث اليوم في بلدة العيزرية ومحيط مخطط "E1" ليس مجرد إجراء إداري بهدم منشآت، بل هو الوجه الآخر لحرب الحسم الصهيوني التي تستهدف تصفية الوجود الجغرافي الفلسطيني للأبد.
إن ما كشفته التقارير الأخيرة حول إنذار 50 منشأة فلسطينية بالهدم في بوابة القدس الشرقية، يمثل حلقة الوصل المفقودة في فهم العقيدة الصهيونية الحالية. نحن أمام استراتيجية "الضم الزاحف" التي تحولت اليوم إلى "ضم متسارع". فمخطط "E1" لا يهدف فقط لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس، بل يسعى لتمزيق الضفة الغربية إلى "كانتونات" معزولة، محولا المدن الفلسطينية إلى سجون مفتوحة بلا أفق سياسي أو تواصل جغرافي.
خلف مخطط الضم الصهيوني تقبع حقيقة نظام "الأبرتهايد" المكاني الذي يرسخ السيادة الصهيونية على الأرض الفلسطينية ويدفن الوجود الفلسطيني .
إن تنفيذ 37 عملية هدم خلال شهر واحد (أفريل المنصرم) واستهداف المنشآت الاقتصادية في العيزرية، يثبت أن الاحتلال يستغل الانشغال الدولي بملفات إقليمية كبرى لتمرير أخطر مخططاته التوسعية. كما ان هدم "مصادر الرزق" والمنشآت التجارية هو حرب تجويع موازية لحرب القتل، تهدف إلى دفع الإنسان الفلسطيني لليأس والهجرة الطوعية بعد فقدان مأواه ومصدر قوته.
إن الوجه الآخر للحرب في الضفة الغربية يخبرنا أن الصراع هو صراع على "الوجود". فالصمت الدولي تجاه ما يحدث في العيزرية والخان الأحمر وجبل البابا هو الضوء الأخضر الذي تنتظره سلطات الاحتلال لإعلان "نهاية الجغرافيا الفلسطينية".
إن ما نشهده اليوم هو محاولة صهيونية أخيرة لغلق القوس على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، وتحويل القدس إلى قلب نابض للمشروع الاستيطاني، معزول تماما عن محيطه العربي. إنها حرب "الإبادة الصامتة" للجغرافيا، وهي لا تقل خطورة عن حرب الإبادة المتواصلة في غزة.
ولا يمكن قراءة التصعيد الراهن بمعزل عن المناخ السياسي الذي أفرزته حرب غزة، حيث استغلت حكومة الاحتلال الأكثر تطرفا في تاريخها "ضجيج الطائرات" لتمرير مشاريع كانت تُعتبر لسنوات "خطوطاً حمراء" دولية. وبينما ينشغل العالم بمتابعة عداد الموت في القطاع المنكوب، تجري في الضفة والقدس عملية "هندسة نهائية" للميدان، تقودها عقلية ترى في هذه اللحظة التاريخية فرصة لن تتكرر لفرض سيادة يهودية كاملة. إن إحياء مخطط "E1" بهذا وتوسيع مستوطنات مثل "كيدم" و"جفعات هاماتوس"، يمثل أخطر تواطؤ عالمي مع ما يحدث في فلسطين المحتلة ويعكس الشلل الدبلوماسي العالمي فيما يتعلق بمخططات الاحتلال التي لا تنتهي وبجرائم مجرم الحرب نتنياهو.
كل ذلك يحدث تحت غطاء أمريكي يمنح الاحتلال وقتا كافيا لتحويل الضفة إلى "غلاف" أمني واقتصادي ممزق، مستفيدا من صمت دولي مريب يرتقي لدرجة التواطؤ في إعادة رسم خارطة المنطقة بالدم بتوقيع صهيوني .

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115