رئيس مركز دراسات أرض فلسطين د. عابد الزريعي لـ" المغرب ": في الذكرى 78 للنكبة أكبر خطر تواجهه فلسطين والمنطقة العربية هو مشروع "اسرائيل الكبرى"

تحل اليوم الذكرى الـ 78 للنكبة في خضم تحولات

متسارعة تعيشها فلسطين والمنطقة . في هذا الحوار الخاص لـ" المغرب "، يتطرق الدكتور عابد الزريعي، رئيس مركز دراسات أرض فلسطين، في المصطلح وتطور المأساة. يفكك الزريعي أطراف المعادلة التي أنتجت النكبة وساهمت في تكريسها. يتحدث عن عجز النظام الرسمي، وبمكاشفة عن سياسات المحو الصهيونية، ليضعنا في قلب التحديات الراهنة التي تواجه القضية الفلسطينية في ظل مشاريع التوسع الإسرائيلي التي تستهدف المنطقة بأسرها.
كيف ترون اليوم ذكرى النكبة خاصة انها تحل في ظل مخطط يستهدف المنطقة؟
اول الأسئلة التي تتبادر الى الذهن في الذكرى 78 للنكبة، هو مصطلح النكبة.. من الذي اشتقه وصاغه.. وما خلفيات كل ذلك.
لقد ولد مصطلح النكبة واستمر على الحد الواصل بين الوجع والوعي، لذلك تناوب على صياغته الشعراء والمفكرون والمؤرخون، ولم يكن غريبا ان يرد اول ما يرد كدفق وجداني حزين في قصائد الشعراء، قبل ان يتبلور كمعنى سياسي محدد بأقلام المفكرين، وإذا كان الشعراء قد استنسلوا المصطلح كصور شعرية مستوحاة من عمق التاريخ العربي، الذي عرف المصطلح في ظروف مفارقة (نكبة البرامكة) ومشابهة (نكبة الاندلس)، فان المفكرين والمؤرخين قد صاغوه من معطيات الواقع المتجسد امامهم في نكبة حاضرة وسائرة. كان الشاعر المصري أحمد محرم، اول من صاغ نكبة فلسطين كعنوان لقصيدة تتألف من ثمانين بيتا، تبكي وجع فلسطين، وتستحثّ همم العرب لنصرتها، ونشرت في صحيفة "البلاغ المصرية" عام 1933، أي قبل حدوث نكبة فلسطين بخمسة عشر عامًا. ومن بعدها كانت قصيدة نجم السعود بأبياتها الثلاثة عشر للشاعر لفلسطيني عبد الرحيم محمود وكتبها عام 1935، القصيدة لم تذكر اسم النكبة لكنها توقعتها بشكل نبوئي. وما ان صدقت النبوءة بعد حوالي ثلاثة عشر عاما، أي عدد ابيات القصيدة، حتى تقدم قسطنطين زريق، نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت أنداك، واستعمل مصطلح "النكبة" في كتابه "معنى النكبة" الصادر في أوت 1948.
ومن بعده وبالاتكاء عليه استخدم المصطلح الكاتب والمؤرخ الفلسطيني عارف العارف (1891-1973) في كتابه "نكبة فلسطيني والفردوس المفقود"، الصادر عام 1951، والذي رأى أن النكبة قد بدأت منذ اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم 29 نوفمبر 1947 إلى اليوم. كان مصطلح النكبة بحمولته الشعرية او السياسية، مجرد صيغة دالة على ما لحق بالإمة العربية من مهانة شاملة جراء الهزيمة.
ماهي الترجمة العملية لهذا المصطلح؟
الترجمة العملية لمصطلح النكبة تبدت كبؤرة تقاطع بين النظام الرسمي العربي الذي سعى الى منعها وعجز، والعصابات الصهيونية التي عملت لتجسيدها ونجحت، والشعب الفلسطيني الذي وقعت النكبة على رأسه وتجرع كأسها الأمر، لتتشكل بذلك معادلة النكبة بأبعادها الثلاثة.
أولا: كان النظام الرسمي العربي القائم آنذاك، كان هو الطرف الأول في انتاج النكبة، حيث تحركت جيوشه يوم 15 ماي 1948 لتمنع حدوثها، فعجزت. ويعقب قسطنطين زريق على هذا العجز بالقول "ليست هزيمة العرب فى فلسطين مجرد إخفاق، أو شر عابر. هذه نكبة بكامل معنى الكلمة، وإحدى أصعب النكبات التى ألمت بالعرب خلال تاريخهم الطويل. تعلن سبع دول عربية الحرب على الصهيونية فى فلسطين، وتقف عاجزة مرتدة على أدبارها. تريد سبع دول إلغاء التقسيم والقضاء على الصهيونية، لكنها تترك المعركة بعد أن خسرت جزءًا كبيرًا من أرض فلسطين، حتى ذلك الجزء الذي أُعطي للعرب. إنها تضطر إلى قبول الهدنة التي لا يوجد فيها أية ميزة أو مكسب من جهتها".
هذا العجز يعود في الجانب الأهم منه الى ان جزء من ذلك النظام كان يريد حدوث النكبة. كل ذلك ليس له علاقة باستبسال الجنود وصغار الضباط والمتطوعين العرب في ارض المعركة. ان النظام الرسمي العربي الذي سعى الى منع النكبة وعجز، تحول خلال المسار التاريخي الى فاعل في تكريسها كواقع دائم ومستمر، وذلك من خلال منع كل محاولة او فعل فلسطيني جاد لإنهاء مفاعيلها، او حتى القيام بفعل من قبله للتكفير عن عجزه الذي ساهم في ايجادها. وذلك بسبب وعيه وقناعته بان العمل على الغاء النكبة كواقع، يعني الاستعداد لاشتباك طويل مع الكيان الصهيوني، يترتب عليه صقل إرادة الناس وانخراطهم في الميدان وتبلور وعيهم، وبالنتيجة طرحهم للأسئلة حول كل ما يعيق تقدم اوطانهم في ميادين أخرى، الأمر الذي يفتح الباب على مصير الكراسي والعروش. ومن اجل تفادي ذلك اختار البقاء على ذات العلاقة مع القوى التي اوجدت النكبة، والوقوف في الموقع المضاد لكل فعل يعمل على انهائها، سواء من قبل الشعب الفلسطيني، او من قبل أطراف أخرى من النظام ذاته، التي تعرض بعضها الى التهشيم بسبب موقفها المؤيد والداعم لنضال الشعب الفلسطيني.
ثانيا: تمثل الطرف الثاني في العصابات الصهيونية المدعومة من قبل كل القوى الامبريالية، التي سعت وارادت تجسيد الحدث كواقع، فنجحت. بالاعتماد على الدعم البريطاني الذي وفر الظرف المناسب لسياسات الانغراس الاستيطاني في ارض فلسطين، واليات الاقتلاع والطرد. ان الطرف الصهيوني الذي خطط وسعى ومن خلفه كل قوى الشر في العالم لإحداث النكبة، قد عمل جاهدا بعد سنوات على التخلص منها، عن طريق الغاء وشطب المصطلح، ومنعه، وملاحقة من يعاود استخدامه من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، ومن اجل ذلك مارس كل أدوات الضغط والتشهير، لمنع ذكره، والترويج له في الأوساط العالمية، ملوحا لكل من لم يستجب لمطالبه بتهمة معاداة السامية. وقد واصلت الحكومات الإسرائيلية العمل على منع حتى الإشارة الى مصطلح "النكبة" سواء أكان في مناهج التعليم أو الفعاليات الثقافية على المستوى الدولي. وفي عام 2009، حظرت وزارة التعليم للاحتلال الإسرائيلي استخدام هذه الكلمة في الكتب المدرسية للأطفال الفلسطينيين. وفي عام 2011، تبنى "الكنيست" قانوناً يمنع الفلسطينيين داخل الاحتلال، من إقامة أي فعاليات لإحياء ذكرى النكبة، واتهام كل من يقوم بذلك بالتحريض على العنصرية والعنف والإرهاب.
ثالثا: يمثل الشعب الفلسطيني طرفا ثالثا في المعادلة، وهو الطرف الذي وقعت على النكبة رأسه بكل ثقلها المادي والمعنوي، ووجد نفسه في مواجهة مع الكيان الصهيوني من جهة، والنظام الرسمي العربي من جهة ثانية. وبات معنيا بالتصدي لكل نتائجها، بإعادة تجميع شظاياه وترتيبها، بعد ان تفتت حقيقته الجغرافية والديمغرافية والسياسية والاقتصادية، من ناحية، واستمر الطرف العاجز والفاعل في ممارسة دورهما ضده باليات وأدوات مخالفة. كانت خطوة المقاومة الأولى بالنسبة للشعب الفلسطيني هي الاحتماء في أنفاق الوعي العميق من خلال استنفار واستنبات كل القيم الثقافية التي تشكلت في عمق وجدانه عبر تاريخ ارتباطه بالأرض التي فصل عنها قصرا، وبعد ذلك اللجوء الى الفعل النضالي المادي الذي تجسدت من خلال التجربة العملية للمقاومة الفلسطينية. وجاءت معركة طوفان الأقصى لتشكل تتويجا لهذا المسار، خاصة وان من بين نتائجها الهامة استعادة السيطرة على مصطلح النكبة من خلال التظهير الكلي لطفري المعادلة المتمثلين في النظام الرسمي العربي العاجز، وفي الكيان الصهيوني، هذا التظهير حرر مصطلح النكبة من المصادرة ووضعه مرة أخرى تحت المجهر، بهدف محاصرته وانهاءه كفعل مادي، وابقاءه كجزء من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني. في البداية اختار الشعب الفلسطيني طريقا للمقاومة يمكن ان نسميه حفر الانفاق المعنوية والثقافية من خلال جعل ما تبقى له من منظومته القيمية متاريس عمق تمنع التأثير السلبي لكل ما يجري على السطح. حتى يتسنى له ترميم ذاته وجمع قواه لكي يمضي في الطريق المضاد للنكبة والذي بات يتجسد في مصطلح العودة.
كيف ترون الذكرى 78 للنكبة في ظل الظروف الحالية؟
بلا شك تجئ الذكرى 78 للنكبة في ظل تحديات كبرى تواجه القضية الفلسطينية والمنطقة العربية برمتها. ومن المهم الانتباه الى ان هذه التحديات تبرز من نقطة التقاطع بين القضية الفلسطينية والوطن العربي برمته، خاصة وان العدو رفع شعاره بوضوح والمتمثل في الهيمنة على المنطقة تحت عنوان اسرائيل الكبرى، الذي اثنى عليه وأيده سفير الولايات المتحدة الامريكية داخل الكيان. العدو في سعيه لتحقيق هذا الشعار بات ينطلق من تصور ان الاغلاق النهائي للملف الفلسطيني هو المدخل الى الهيمنة على المنطقة. وهذا ما يفسر لنا حالة التغول الصهيوني داخل ماتبقى من المجال الجغرافي الفلسطيني، حيث يشن حرب ابادة شاملة تطال الانسان والمكان في غزة والضفة بشكل غير مسبوق، وفي ذات الوقت يلاحق شباب فلسطين المحتلة علم 1948 بالاغتيالات والتصفية الجسدية. معتمدا في كل ذلك على الجيش وعصابات المستوطنين والمجرمين. هذا الوضع يجعل من مواجهة هذا التحدى سؤالا مطروحا ليس على الشعب الفلسطيني فقط، فهو يواجه الة الدمار الصهيونية بصدره ولحمه الحي، وانما على كل ابناء الأمة العربية من محيطها الى خليجها.
كيف تقرؤون نتائج الحرب الايرانية الامريكية حتى اليوم؟
العدوان الامريكي على ايران كان متوقعا منذ لحظة طرح استراتيجية الامن القومي الامريكية بتاريخ 4 ديسمبر 2025 خاصة عندما تتحدث ان امريكيا ستتوجه الى منطقة امريكيا اللاتينية والكاريبي لتشاغل روسيا والصين من هناك، وبالنتيجة فهي ستخلي الشرق الاوسط مع ضمان عدم حضور او هيمنة قوة مناوئة لها في المنطقة، وبهدف ضمان امن الممرات والنفط، هذا الطرح يعني مسألتين الاولى صد ايران بوصفها القوة الفاعلة في المنطقة، والثاني فتح الطريق للهيمنة الاسرائيلية، وهذا ما يفسر ذهاب الامريكي والاسرائيلي معا في الحرب على ايران. نتائج هذه الحرب حتى اللحظة يمكن قرأتها من خلال فشل الاستراتيجية الامريكية في ادارة الحرب والقائمة على التخلص من قيادات الرأس الايرانية وبالنتيجة انهيار ايران، وجني الثمار في زمن قياسي. صمود ايران والحاقها الضربات بالقواعد الامريكية والعدو الصهيوني هو اول علامات انتصارها في هذه المواجهة وهذا يتبدى في التخبط الامريكي المتلاحق والذي يمكن ملاحظته في تصريحات الرئيس ترامب.
وكيف تنظرون الى الوضع في غزة ؟
يمكن تلخيص الوضع في غزة في نقاط محددة ،الاولى ان العدو الصهيوني يتملص من الالتزام باتفاق وقف اطلاق النار، وبالتالي يعبر عن هذا التملص في الخروقات المستمرة لوقف اطلاق النار والتحكم في ادخال المساعدات الى غزة وحركة السفر عبر معبر رفح، وفي محاولة اشاعة الفوضى في القطاع من خلال استهداف رجال الشرطة ودفع العملاء للقيام بعمليات اختراق امني للمجتمع الغزي، يضاف الى ذلك تحريك الخط الفاصل المنصوص عليه في الاتفاق ( الخط الاصفر) لالتهام مناطق جديدة من القطاع تحت عنوان (الخط البرتقالي) وكل ذلك في ظل حالة من الصمت الدولي وعجز من الاطراف الضامنة التي لم تستطع حتى اللحظة الضغط على العدو لكي يسمح للجنة ادارة غزة الموجودة في القاهرة بالدخول الى غزة. والثانية ان المقاومة التي لم تنفك تعبر عن التزامها باتفاق وقف اطلاق النار متنبهة جيدا لما يسعى اليه العدو الذي يريد اضافة لما اشرنا اليه التركيز على نقطة واحدة وهي سحب سلاح المقاومة. وموقف المقاومة واضح وجلي في هذه النقطة وهي ان هذا السلاح مشروع دوليا ارتباطا بشرعية نضال الشعب الفلسطيني، لذلك التخلي عن هذا السلاح مرتبط بوجود دولة فلسطينية مستقلة وهي صابحة الامر والنهي في هذه المسألة، كما انها تحث الاطراف الوسيطة على القيام بدورها. من المهم في مثل هذه اللحظات استمرار الدعم والاسناد الجماهيري للشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية خاصة وكما اشرنا ان المعركة باتت اكثر شمولا واتساعا من رقعة القطاع او فلسطين.
ما مدى خطورة الخط الاصفر في لبنان؟
الخط الاصفر في لبنان الذي يحاول العدو فرضه شبيه بالخط الاصفر في غزه، أي ان العدو يضعه كنقطة تشير الى المكان الذي وصل اليه، ليقوم بتمديده وتحريكه بعد ذلك. وما هو مختلف في لبنان ان العدو عينه على الموارد المائية في لبنان عينه على مياه نهر الليطاني وهذا المشروع ليس جديدا .. من يقرا ادبيات الحركة الصهيونية يتأكد ان الامر مطروح منذ عشرينات القرن الماضي، والامر يتجاوز الخطوط الامنية بالمعنى العسكري وانما يندرج ضمن استراتيجيات العدو الكبرى التي ترتبط بمحاولاته الهيمنة على الاقليم. ولكن صمود المقاومة اللبنانية يبقى هو الامر الحاسم، عذا الصمود يجب ان يعزز بكل الوسائل بوصفه دفاعا عن لبنان بجميع شرائحه وطوائفه في وجه عدو غاشم.
ما هي اهم نشاطات مركز دراسات ارض فلسطين القادمة ودوره في المرحلة الراهنة الصعب لتعميق الوعي بتكريس الحق الفلسطيني ؟
مركز دراسات ارض فلسطين للتنمية والانتماء حدد رسالته في بناء الوعي بالقضية الفلسطينية خاصة لدى الاجيال الشابة ، لأننا على يقين بأن معركة الوعي هي معركة الفصل لأنها الضامنة للاستمرار في المواجهة حتى الانتصار، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تتعرض الى هجوم مضاد من قبل العدو عبر مختلف وسائل التواصل لتسطيح وتزييف وعيها وتبهيت انتماءها ليسهل عليه دفعها بعيدا عن المواجهة المصيرية معه. نقوم بهذا الدور في المركز بمختلف الاشكال الندوات والمؤتمرات وغيرها، ونحن جزء من المحكمة الدولية للشعوب التي تعقد جلسات محاكمة شعبية دولية للكيان كان اخرها في مدريد باسبانيا، كما نقوم بتدريس القضية الفلسطينية عبر أكاديمية أرض فلسطين التابعة للمركز، ومنذ وقت قريب نالت السيدة خميسة العبيدي شهادة البحث التخصصي في دراسات ارض فلسطين قسم التاريخ على بحثها ( حارة المغاربة دراسة تاريخية وفنية) . الأن نستعد مع شركاء اخرين لإحياء الذكرى 78 للنكبة بوصفها محطة لبناء الوعي على طريق العودة الى فلسطين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115