آثار العنف الجسدي الظاهرة، يبرز "العنف الاقتصادي" كأخطر أداة لتقويض استقلالية النساء في المنطقة العربية وتونس بصفة خاصة. هذا النوع من العنف ليس مجرد حرمان من المال، بل هو إستراتيجية ممنهجة لـ "الاستلاب" تهدف إلى جعل المرأة رهينة اقتصادية داخل أسرتها، مما يمهد الطريق لدوائر أعنف من الاضطهاد قد تصل إلى حد القتل.
فجوة المشاركة
تشير أحدث بيانات البنك الدولي لعام 2025 وتقارير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" إلى أن المنطقة تسجل أعلى فجوة في العالم في "أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر". أما في تونس، فتترجم هذه الفجوة إلى أرقام صادمة، إذ تبلغ فجوة المشاركة في القوة العاملة 38.4 نقطة مئوية، حيث تشارك 26.5 بالمئة فقط من النساء في سوق العمل مقابل 64.9 بالمئة للرجال.
هذه الأرقام تعني أن حوالي ثلاثة أرباع النساء التونسيات خارج الدورة الاقتصادية الرسمية. والأخطر من ذلك هو ما تكشفه بيانات عام 2023 حول بطالة خريجات التعليم العالي التي تصل إلى 31 بالمئة، وهي ضعف معدل بطالة الرجال لنفس الفئة (14.9 بالمئة). هذا التباين يمثل "هدراً للطاقة الوطنية"، فالدولة تستثمر في تعليم الإناث لتجدهن في النهاية مصطدمات بجدار العنف الاقتصادي والتمييز الهيكلي.
"اقتصاد الرعاية": السلاح الصامت
خلف هذه الأرقام تكمن معضلة "اقتصاد الرعاية". تقوم النساء التونسيات بـ 80 بالمئة إلى 90 بالمئة من مهام الرعاية المنزلية والعمل غير المدفوع الأجر، وهو عبء يزيد بمقدار 4 إلى 5 مرات عما يقضيه الرجال.
هذا الوضع ليس قدراً بيولوجياً، بل هو "سلاح صامت" يحرم المرأة من سيادتها على وقتها. إن غياب البنية التحتية الداعمة، مثل النقل الآمن والحضانات الميسرة، يجبر المرأة على الاختيار بين العمل والأسرة، وفي أغلب الأحيان، يتم التضحية بطموحها المهني لصالح مهام منزلية لا تجد اعترافاً مادياً أو معنوياً، مما يكرس تبعيتها المادية للرجل سواء كان الأب، او الزوج، أو حتى الأخ.
فجوة التشريع والواقع
رغم ريادة القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، إلا أن الواقع يعكس قفزات مقلقة في معدلات الجريمة. اذ تؤكد الاخصائية النفسية أماني الصغير بان العنف النفسي يستأثر بالنسبة الأكبر (44.4 بالمئة)، يليه اللفظي، وصولاً إلى العنف الاقتصادي بنسبة 11.4بالمئة. .
لكن الأخطر هو الارتباط الوثيق بين الحرمان الاقتصادي وجرائم القتل. فبحسب الصغير فان آخر الأرقام تؤكد بأن تونس سجلت 27 حالة قتل لنساء في عام 2023، و22 حالة في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025. توضح الأخصائية النفسية والاجتماعية أماني الصغير في حديثها لـ" المغرب " أن العنف الاقتصادي هو "عنف مقنع" وبداية الانحدار نحو القتل، فعندما تُحرم المرأة من مواردها، تصبح عاجزة عن مغادرة دائرة العنف الجسدي خوفاً من الجوع أو التشريد.
شهادات حية
رصدت "المغرب" حالة " نعيمة . م"، وهي قصة تمثل مأساة الاستلاب العائلي. تُدفع نعيمة لتغطية كافة مصاريف عائلتها في عبء يتجاوز طاقتها البشرية، بينما تُحرم هي من حق التصرف في راتبها.
ولا يتوقف العنف عند الطبقة العاملة الحضرية، بل يمتد ليكون أكثر بشاعة في الوسط الريفي. هنا تبرز "شاحنات الموت" التي تنقل العاملات الفلاحيات في ظروف غير إنسانية. هؤلاء النساء اللواتي يضمنّ الأمن الغذائي لتونس، يتقاضين أجوراً تقل بنسبة 50 بالمئة عن أجور الرجال، ويحرمن من التغطية الاجتماعية وحقوق الملكية. فرغم كونهن العمود الفقري للفلاحة، إلا أن ملكية النساء للأراضي لا تتجاوز 5 بالمئة إلى 6 بالمئة، مما يحرمهن من الضمانات العقارية اللازمة للحصول على قروض بنكية.
عائق الملكية
تؤكد الناشطة الحقوقية سوسن الجعدي أن العنف الاقتصادي يظل مغيباً خلف "الوصمة الاجتماعية". وتنتقد الجعدي الفجوة بين النصوص والواقع، مشيرة إلى أن غياب التناصف في القانون الانتخابي غيّب صوت المرأة في مراكز القرار المالي.
وتظهر البيانات المالية أن 26.6 بالمئة فقط من النساء التونسيات يمتلكن حسابات بنكية، وهي فجوة تقدر بـ 23 نقطة مئوية مقارنة بالرجال. يعود ذلك جزئياً إلى بعض المعوقات التي تحد من قدرة النساء على تراكم الثروة، ، مما يجعل ريادة الأعمال النسائية "معركة خاسرة" قبل أن تبدأ في كثير من الأحيان.
نحو إستراتيجية متكاملة
لمواجهة هذا الاستلاب، تضع منظمة العمل الدولية والإسكوا خارطة طريق سياسية تعتمد على خمس ركائز أساسية لتحويل اقتصاد الرعاية من عبء إلى تمكين، وأولها الاعتراف أي قياس العمل المنزلي غير المأجور وحسابه كجزء من الناتج المحلي الإجمالي.
والتقليص ، أي الاستثمار في بنية تحتية تخفف مشقة الرعاية (نقل آمن، مرافق رعاية نهارية).
وإعادة التوزيع وذلك من خلال تقاسم مسؤولية الرعاية بين المرأة والرجل والدولة عبر سياسات مثل إجازة الأبوة.
إضافة الى ذلك ضرورة تخصيص المكافأة وينعكس ذلك في ضمان أجور عادلة وحماية اجتماعية للعاملات في القطاعات الهشة، وتفعيل الرقابة في القطاع الخاص لضمان المساواة في الأجور.
والتمثيل من خلال ضمان وصول النساء إلى النقابات ومراكز صنع القرار الاقتصادي والسياسي.
في ظل هذه العوائق، يبرز "الاقتصاد الرقمي" كفرصة لتجاوز العوائق التقليدية. يمكن للتكنولوجيا المالية أن تمنح النساء أدوات لإدارة أموالهن وتلقي المدفوعات بشكل مستقل عن الرقابة الأسرية، مما يكسر "التبعية المادية" القسرية. ومع ذلك، يظل هذا الحل رهين "الوعي الرقمي" وتوفر البنية التحتية في المناطق الداخلية.
معركة وعي وإرادة
إن معركة مناهضة العنف ضد النساء في تونس، وخاصة العنف الاقتصادي، هي "معركة وعي" بالأساس. كما تشير الناشطة المدنية والحقوقية سوسن الجعدي، فإن الحل يبدأ من الأسرة وينتهي بإرادة سياسية حقيقية تضع كرامة النساء فوق كل اعتبار.
إن كسر قيود "العنف الاقتصادي" هو الضمان الوحيد لكي لا تظل القوانين مجرد "حبر على ورق"، ولكي لا تضطر النساء لدفع حياتهن ثمناً لتبعية مادية فُرضت عليهن قسراً. فدون استقلال مادي، يبقى حق المرأة في الحياة الكريمة مجرد شعار، ويبقى "القيد الصامت" أقوى من أي نص قانوني.
"العنف الاقتصادي"... واجهة الاستلاب الجديدة و"القيد الصامت" ضد النساء
بينما تنشغل الأجندات الحقوقية العالمية برصد
آخر مقالات روعة قاسم
- للحديث بقية "إسرائيل" وأطماع الليطاني ...كيف يحمي لبنان جنوبه من "نموذج غزة"؟
- المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير لـ" المغرب ": لبنان سيكون جزءاً من أي اتفاق إقليمي والتفاوض القوي يحتاج لداخل محصن
- للحديث بقية لبنان في قلب المعركة الحاسمة صمود المقاومة ضد "الشرق الأوسط الصهيوني" الجديد
- تونس تغني للقدس وللمقاومة: فرقة "الكرامة" في سهرة الوفاء لغزة ولبنان
- في ندوة فكرية : أية تداعيات للحرب الصهيو -أمريكية على ايران؟
Leave a comment
Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.