العام التونسي للشغل أمس بالمنستير، وسط أجواء متوترة منذ الجلسة الافتتاحية، ما يعكس حجم التحديات والخلافات التي تمر بها المنظمة في هذه المرحلة الدقيقة، مؤتمر لا تكتسي أهميته فقط من حيث تجديد الهياكل القيادية، بل يعد محطة بارزة لحسم خيارات إستراتيجية كبرى ستحدد ملامح العمل النقابي في السنوات القادمة، وقد حمّل اليوم الأول مؤشرات واضحة على حجم التوترات الداخلية التي تعيشها المنظمة، في ظل تباين في الرؤى بين مختلف التيارات النقابية، وتراكم الخلافات.
بعد انطلاق أشغال المؤتمر تتجه الأنظار إلى طبيعة التحالفات في ظل حديث متزايد عن صراعات جهوية وقطاعية وتنظيمية قد تؤثر على مسار الانتخابات ونتائجها، وقد شهدت الجلسة الافتتاحية توترا لافتا منذ اللحظات الأولى لصعود الأمين العام نور الدين الطبوبي إلى المنصة لإلقاء كلمته، حيث قاطعه عضو المركزية النقابية محسن اليوسفي موجها له اتهامات حادة، من بينها "الشعبوية" و"الخيانة"، في مشهد أثار ردود فعل غاضبة داخل القاعة وساهم في تصعيد الأجواء.
انتخاب الطبوبي رئيسا للمؤتمر
قبل ساعات من انطلاق المؤتمر، انعقدت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد، حيث تم تسجيل اعتذار حسان العرفاوي عن رئاسة المؤتمر، مبررا قراره بالحفاظ على وحدة المنظمة والانسجام مع مبادئها. وقد تم اقتراح وانتخاب نور الدين الطبوبي رئيسا للمؤتمر بإجماع أعضاء الهيئة الإدارية، وهو ما صادقت عليه القاعة لاحقا بأغلبية الحاضرين، كما تم تعيين كل من حافظ الربيعي ومحمد بركاتي نائبين لرئيس المؤتمر، في حين تولى الطبوبي أيضا مهمة الناطق الرسمي باسمه. هذا وشدد الطبوبي على هامش المؤتمر على أن رئاسة المؤتمر "مسؤولية وليست مهمة سهلة"، مؤكدا أن نجاح هذه المحطة يتطلب تضافر جهود جميع النقابيين. وأشار إلى أن المؤتمر يمثل فرصة "لتعديل البوصلة" على المستوى الوطني والاجتماعي والاقتصادي، معترفا بوجود صعوبات وخلافات حادة خلال المرحلة السابقة. كما شبّه وضع الاتحاد بمروره بـ"نزلة برد"، لكنه أكد امتلاكه "مناعة قوية" تمكنه من تجاوز الأزمات.
صراعات وسيناريوهات مفتوحة
وأكد الطبوبي على أهمية المعارضة النقابية "الإيجابية" داخل المنظمة، معتبرا أن الاحتكام إلى المؤتمر كأعلى سلطة قرار هو السبيل لحسم الخلافات القائمة. وبين أن قوة الاتحاد في التنوع داخله ويلتقي دائما على قاعدة الاختلاف في الرأي ومهما اشتدت الخلافات فإنه يخرج موحدا، ليشدد على أن المؤتمر هو سيد نفسه وعدة ملفات ستطرح في أشغاله. ويشار إلى أن أشغال المؤتمر ستتواصل اليوم وغدا عبر تدخلات النواب ومناقشة اللوائح قبل المرور إلى المصادقة عليها، لتختتم الأشغال بإجراء الانتخابات التي ستفرز قيادة جديدة للاتحاد. واعتبر الطبوبي أن "الاتحاد له خط نقابي يعارض، والمعارضة إيجابية تحفز على مزيد العمل والبذل والعطاء، ولكن عندما تشتد الخلافات عليك أن تعيد الأمانة إلى أصحابها، وهذا ما قمنا به، كما أن اختصار المدة لا يعد تجاوزا، بل بالعكس، فاليوم هناك إشكاليات وتعطيلات وخلافات حادة يحسمها أعلى سلطة قرار، أي المؤتمر".
تتجه الأنظار إلى ما ستفرزه أشغال المؤتمر، في ظل مؤشرات على وجود صراع جهوي وخلافات داخلية قد تؤثر على مخرجاته. وتطرح عدة سيناريوهات، من بينها إمكانية بروز تحالفات جديدة داخل الهياكل القيادية أو حدوث مفاجآت في نتائج الانتخابات. وقد تواصلت أشغال المؤتمر بعرض التقرير المالي من قبل المدير المالي للاتحاد، على أن يفتح باب النقاش لاحقا قبل المصادقة عليه. كما تم انتخاب مختلف اللجان، ومن بينها لجنة الفرز التي تضم أكثر من 40 نائبا للإشراف على العملية الانتخابية وضمان شفافيتها. وتبقى مخرجات المؤتمر مفتوحة على عدة احتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه النقاشات والانتخابات داخل هذه المنظمة.
جدل إعلامي وانتقادات نقابية
بالتوازي مع أشغال المؤتمر، أثار قرار منع التغطية الميدانية من قبل الإذاعة الجهوية بالمنستير جدلا واسعا، خاصة بعد أن صدرت تعليمات بالاكتفاء بمداخلات هاتفية دون الحضور المباشر. وفي هذا السياق، أدانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين هذا القرار بشدة، معتبرة أنه يمثل خرقا واضحا لأخلاقيات العمل الصحفي التي تقوم أساسا على المعاينة الميدانية والتثبت من المعلومات من مصادر متعددة. وأكدت النقابة أن التغطية الميدانية ليست مسألة ثانوية، بل هي جوهر الممارسة الصحفية، محذرة من مخاطر الاعتماد على روايات منقوصة أو موجهة قد تقوض مبدأ الشفافية. كما اعتبرت أن هذا التوجه يعكس انحرافا عن الدور المفترض للإعلام العمومي، الذي يفترض أن يضمن حق المواطن في الحصول على معلومة دقيقة ومتوازنة، بعيدا عن أي تدخلات.
دعوات للتراجع وضمان حرية العمل الصحفي
ودعت النقابة إلى التراجع الفوري عن هذه التعليمات، وتمكين الصحفيين من أداء مهامهم في الميدان دون قيود، مشددة على أن المرفق الإعلامي العمومي ملك مشترك لا يجوز توظيفه وفق اعتبارات ضيقة. كما حذرت من أن الحد من التغطية الميدانية يمثل اعتداء مزدوجا على حق الصحفي في العمل وحق المواطن في النفاذ إلى المعلومة، داعية إلى اليقظة في مواجهة أي محاولات للمساس باستقلالية الإعلام.