المتعلقة بالنمو الاقتصادي، والتوسع الاستثماري، والاحتياطات المالية المستقرة، ومع ذلك، تُفاجأ دول كثيرة باضطرابات سياسية أو اجتماعية لا تتوقعها النماذج الاقتصادية التقليدية. هذا التناقض دفع خبراء الاقتصاد السياسي إلى البحث عن مؤشر أعمق من الناتج المحلي أو معدلات النمو، فوجدوا أن العامل الأكثر دقة في التنبؤ بالاستقرار ليس حجم الاقتصاد، بل حجم الطبقة الوسطى وحالتها المعيشية. فهذه الفئة تحديدًا تمثل المنطقة الفاصلة بين الاستقرار والهشاشة.
الطبقة الوسطى كمفهوم اقتصادي استراتيجي
تعرف المؤسسات الدولية الطبقة الوسطى بأنها الفئة القادرة على تغطية احتياجاتها الأساسية والادخار والاستثمار في المستقبل. ووفق تحليلات البنك الدولي، فإن هذه الشريحة هي المحرك الحقيقي للطلب المحلي، وهو العنصر الأكثر استدامة في النمو الاقتصادي مقارنة بالاعتماد على الصادرات أو الإنفاق الحكومي.
الاقتصاد الذي يمتلك قاعدة واسعة من هذه الفئة يتمتع بمرونة أعلى في مواجهة الأزمات، لأن الاستهلاك لا يتوقف فجأة عند حدوث صدمة خارجية.
أين تقف الطبقة الوسطى عالميًا
تشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن عدد أفراد الطبقة الوسطى في العالم تجاوز 4 مليار شخص، مع توقعات بوصولها إلى نحو 5 مليار خلال العقد المقبل. هذا يعني أن ما يقارب ثلثي سكان العالم قد ينتمون إلى هذه الفئة قريبًا. لكن هذه الصورة الإيجابية تخفي تفاوتًا حادًا في التوزيع الجغرافي.
فالنمو الأكبر يحدث في آسيا والأسواق الناشئة، حيث يرتفع الدخل بوتيرة أسرع من الدول المتقدمة. في المقابل، بعض الاقتصادات المتقدمة تشهد ركودًا أو تقلصًا نسبيًا في حجم الطبقة الوسطى بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بالأجور. كما أن هذه الفئة عالميًا تنفق ما يزيد على 60 تريليون دولار سنويًا، ما يجعلها القوة الاستهلاكية الأكبر في التاريخ الاقتصادي الحديث.
هذه الأرقام تكشف تحولًا مهمًا فمركز الثقل الاقتصادي العالمي يتحرك تدريجيًا نحو المناطق التي تتوسع فيها الطبقة الوسطى، لا نحو الدول التي تمتلك أكبر ناتج محلي فقط.
المؤشر السياسي غير المعلن
تشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى وجود ارتباط واضح بين اتساع الطبقة الوسطى وانخفاض احتمالات الاضطرابات السياسية. السبب أن هذه الفئة تجمع بين التعليم والدخل والاستقرار الوظيفي، ما يجعلها الأكثر تمسكًا بالمؤسسات والقوانين.
فهي ليست الأكثر ثراءً بحيث تنعزل عن الواقع، ولا الأشد فقرًا بحيث تنشغل فقط بتأمين احتياجاتها اليومية. لذلك تميل إلى دعم الإصلاحات التدريجية بدل التغييرات الجذرية، وهو ما يمنح الأنظمة السياسية هامش استقرار طويل الأمد.
مفارقة العصر: النمو لا يعني الرخاء للجميع
بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تظهر أن بعض الدول تحقق معدلات نمو مرتفعة بالتزامن مع اتساع فجوة الدخل. يحدث ذلك عندما يتركز النمو في قطاعات محدودة أو في فئات ذات دخول مرتفعة.
في هذه الحالة، يزداد حجم الاقتصاد لكن معظم المواطنين لا يشعرون بتحسن فعلي. وهنا تنشأ المفارقة اقتصاد قوي على الورق، لكنه هش اجتماعيًا. هذا النوع من النمو غالبًا ما يسبق فترات توتر، لأن الشعور بعدم العدالة الاقتصادية يكون أقوى من تأثير الأرقام الإيجابية.
وخلال السنوات الأخيرة واجهت الطبقة الوسطى عالميًا موجة ضغوط متزامنة. التضخم العالمي رفع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، بينما لم ترتفع الأجور بنفس الوتيرة في كثير من الدول. دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث أظهرت أن جائحة كوفيد-19 أوقفت نمو الطبقة الوسطى عالميًا وأخرت انضمام ملايين الأشخاص إليها، بل دفعت بعضهم للعودة إلى شرائح دخل أدنى.
ورغم تعافي الاقتصاد العالمي نسبيًا، ما تزال آثار تلك المرحلة واضحة في ارتفاع مستويات الديون الأسرية وتراجع معدلات الادخار، وهما مؤشرين يستخدمهما الاقتصاديون لقياس الهشاشة المالية.
الدخل الحقيقي لا الاسمي
أحد أهم الدروس التي خرج بها الباحثون هو أن مستوى الدخل وحده لا يكفي للحكم على وضع الطبقة الوسطى. فالعبرة بالدخل الحقيقي بعد احتساب التضخم. قد يرتفع دخل الفرد رقميًا، لكنه إذا أصبح ينفق نسبة أكبر منه على الضروريات مثل السكن والغذاء، فإن وضعه الاقتصادي يكون قد تراجع فعليًا.
لذلك يعتمد التحليل الحديث على مؤشرات مركبة تشمل القدرة الشرائية، ونسبة الادخار، وتكاليف المعيشة. هذه المعايير تقدم صورة أدق بكثير من أي رقم منفرد.
لماذا يراقبها صانعو القرار
الطبقة الوسطى تُعد بمثابة جهاز إنذار مبكر وعندما تتوسع، فهذا يعني أن الثروة تُخلق وتتوزع في الوقت نفسه أما عندما تتقلص، فغالبًا ما يكون السبب اختلالًا في توزيع النمو أو ارتفاعًا مفرطًا في تكاليف الحياة.
ولهذا بدأت حكومات كثيرة تعيد تصميم سياساتها الاقتصادية بحيث تستهدف هذه الفئة تحديدًا، عبر إصلاحات ضريبية، ودعم الإسكان، وتحفيز القطاعات التي توفر وظائف مستقرة، فالاستثمار في الطبقة الوسطى لم يعد خيارًا اجتماعيًا فقط، بل أصبح استراتيجية استقرار وطني.
في عالم تتزايد فيه التقلبات، تبحث الدول عن مؤشر يمكن الوثوق به لقياس متانة أوضاعها الداخلية والتجربة التاريخية والبيانات الحديثة تقود إلى نتيجة واضحة تتمثل في حجم الطبقة الوسطى وهو أدق مقياس لقوة الدولة الحقيقية، فالنمو الاقتصادي قد يصنع الثروة، لكن الطبقة الوسطى هي التي تصنع الاستقرار، وإذا كان القرن الماضي قد قاس قوة الدول بحجم جيوشها أو اقتصاداتها، فإن القرن الحالي يقيسها بقدرتها على توسيع قاعدتها الوسطى.
والسؤال الذي سيحدد شكل العالم في السنوات القادمة ليس من يملك الاقتصاد الأكبر؟ بل من يملك الطبقة الوسطى الأقوى؟