التحولات الرقمية: مفتاح النمو الاقتصادي وورقة قوة تونس المستقبلية

أصبح التحول الرقمي حجر الزاوية في النمو الاقتصادي

الحديث في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي بسرعة غير مسبوقة اذ لم تعد الاقتصادات تُقاس فقط بحجم صادراتها أو قوتها الصناعية التقليدية، بل بقدرتها على استثمار التكنولوجيا في تطوير الخدمات، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز التنافسية على المستوى الدولي.

يثار اليوم سؤال مركزي كيف يؤثر التحول الرقمي على النمو الاقتصادي؟ وبينما تنجح دول عدة في تحقيق مكاسب ملموسة، فما هو موقف تونس في هذا الشأن ؟ وهل بإمكانها أن تحوّل إمكاناتها الرقمية إلى قوة اقتصادية فاعلة؟ وما الذي يلزمها لتحقيق ذلك؟

تُظهر تقارير حديثة أن العالم يشهد نموًا متسارعًا في الاقتصاد الرقمي، إذ أشار تقرير Global Digital Economy Report 2024 إلى أن الاقتصاد الرقمي العالمي نما بنسبة 12.9 % سنويًا، متجاوزًا بكثير متوسط نمو الاقتصاد الكلي التقليدي. وهذا يعكس أن الرقمنة ليست مجرد خيار، بل دافع قوي للنمو.

الرقمنة كقوة دافعة للنمو

تشير دراسة World Bank: World Development Report 2024 إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية من شبكات عالية السرعة إلى أنظمة الدفع الإلكتروني يمكن أن يُضيف ما بين 2 % و4 % إضافية سنويًا إلى الناتج المحلي الإجمالي للدول ذات الاقتصادات الناشئة، ويزيد إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل ملحوظ. وقد أوضح التقرير أن الدول التي حققت تقدمًا في اعتماد تقنيات البيانات والتحليلات الرقمية شهدت ارتفاعًا في معدلات التوظيف في قطاعات التكنولوجيا والابتكار.

أيضًا، يرى International Telecommunication Union (ITU) 2025 Report أن الربحية الاقتصادية لخدمات الإنترنت ومراكز البيانات يمكن أن تمثل أكثر من 15 % من الناتج المحلي في بعض الدول المتقدمة إذا تم تفعيل السياسات الرقمية بشكل فعّال، مما يعزز دور الرقمنة كرافعة للنمو الشامل.

وفي تونس، تظهر المؤشرات الرقمية جوانب إيجابية يمكن البناء عليها. وفقًا لبيانات Digital 2025 Report الصادرة عن مؤسسة DataReportal، بلغت نسبة انتشار الإنترنت في تونس 84.9 % من تعداد السكان في بداية 2025، مع ما يزيد على 10.5 مليون مستخدم للإنترنت، وهي نسبة أعلى من المتوسط الإقليمي في شمال إفريقيا. كما ارتفع عدد الاتصالات النقالة الفعالة في تونس إلى 128 % من تعداد السكان، ما يوضح انتشار الخدمات الرقمية على نطاق واسع.

تشير أيضًا بيانات UNCTAD Digital Economy Report 2024 إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تونس يسهم بحوالي 11 % من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تشهد الشركات الناشئة التكنولوجية نموًا سنويًا يقارب 8 %، وهو مؤشر على ديناميكية بيئة الابتكار المحلية.

الفجوة في المهارات الرقمية

رغم هذه المؤشرات المشجعة، تواجه تونس تحديًا حادًا في تطوير المهارات الرقمية المتقدمة. وفقا لتقرير World Economic Forum — The Future of Jobs Report 2025، تعاني معظم الاقتصادات الناشئة من فجوة في مهارات القوى العاملة، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وهو ما يحد من قدرة الشركات على التوسع وتطوير منتجات رقمية متقدمة.

ويرى التقرير أن ما يزيد عن 60 % من الشركات في الدول الناشئة تواجه صعوبة في توظيف الكفاءات الرقمية المناسبة، مما يؤثر سلبيًا على سرعة التحول الرقمي وقدرة الاقتصاد على المنافسة. في المقابل، تتقدم بعض الدول الإقليمية في هذا المجال من خلال برامج حكومية للتدريب والتطوير التكنولوجي، مما يعزز جاهزيتها لسوق الوظائف الرقمية. ومن بين العقبات البارزة أمام التحول الرقمي في تونس يأتي الإطار القانوني والتنظيمي الذي لم يتطور بما يكفي لمواكبة التغيرات التقنية. أشار ITU Digital Regulation Report 2024 إلى أن حماية البيانات، وتنظيم التجارة الإلكترونية، وحقوق الملكية الفكرية تعد من أهم عناصر بناء الثقة الرقمية، وأن غياب تحديثات لهذه القوانين يحد من تدفق الاستثمارات في القطاع الرقمي.

في المقابل، قامت دول مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية بتحديث أطرها التشريعية لتشمل قوانين حماية البيانات الشخصية، قواعد واضحة للأنشطة الرقمية، وحوافز ضريبية للشركات التقنية، مما جذب استثمارات ضخمة في قطاعات التكنولوجيا الحديثة. وهذا يؤكد أن البيئة القانونية ليست فقط عنصرًا تنظيميًا، بل رافعة استراتيجية للابتكار والاستثمار.

المقارنة الإقليمية

عند مقارنة المؤشرات الرقمية لتونس مع بعض دول الإقليم، يتبيّن أن هناك فوارق في العمق والسرعة. فوفق Global Digital Competitiveness Index 2025، تحتل الإمارات المرتبة الأولى في المنطقة عربيًا من حيث الجاهزية الرقمية، تليها دول الخليج بشكل عام، فيما تأتي مصر والمغرب في موقع أفضل نسبيًا من تونس من حيث توفير المهارات الرقمية والتكامل المؤسسي بين القطاعين العام والخاص.

تكشف البيانات أن الإمارات تخصص استثمارات ضخمة في التعليم التكنولوجي، شراكات مع شركات دولية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، بينما تسير مصر والمغرب في تطوير حضانات تقنية، برامج تدريب مكثفة للشباب، وتوسيع نطاق الاتصالات والبنية الرقمية في المناطق الريفية.

بالرغم من هذه التحديات، تمتلك تونس مزايا نسبية قوية يمكن أن تساعدها في اللحاق بالركب الرقمي. أولًا، الطاقات البشرية الشابة والمتعلمة تشكل أساسًا جيدًا لبناء قوة عمل رقمية مبتكرة إذا تم توجيهها عبر برامج تطوير وتدريب متقدمة. ثانيًا، بفضل انتشار الإنترنت والبنية التحتية الأساسية، يمكن للقطاع الخاص والشركات الناشئة التركيز على التوسع الرقمي في التمويل الإلكتروني، الخدمات اللوجستية الرقمية، والتسويق عبر المنصات الحديثة.

كما أن تطوير الحكومة الإلكترونية يمكن أن يعزز من كفاءة الخدمات، يقلل البيروقراطية، ويزيد الثقة بين المستثمرين المحليين والأجانب.

الاستفادة من الفرص

إن التحول الرقمي ليس مجرد شعار بل أداة استراتيجية للبناء الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. لقد طرحنا سؤالًا مركزيًا حول تأثير الرقمنة على النمو، موقع تونس مقارنة بالدول الإقليمية، وما يلزمها لتحقيق الريادة، وأظهرت البيانات والدراسات أن الطريق ممكن، لكنه يتطلب خطوات واضحة وجريئة.

تكمن الإجابة في تطوير القدرات البشرية، تحديث التشريعات، وتعزيز الاستثمار في مجال التكنولوجيا. إذا تمكنت تونس من تنفيذ استراتيجية رقمية شاملة، فإن الفرصة ستكون متاحة ليس فقط لتحسين مؤشراتها الاقتصادية، بل أيضًا لتبوؤ مكانة رائدة في التحول الرقمي في المنطقة، مما يعزز النمو المستدام، يوفر فرص عمل نوعية، ويدفع الاقتصاد نحو آفاق جديدة من التنافسية والابتكار

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115