حين يعجز الإسفلت عن ابتلاع المطر: أرقام الفيضانات تكشف كلفة الإهمال وحدود الدولة في مواجهة الطبيعة

لم يكن ما حدث أمس مجرد حالة جوية استثنائية

تُضاف إلى أرشيف الأخبار العاجلة، بل لحظة مكثفة كشفت بالأرقام قبل الصور عمق المأزق البنيوي الذي تعيشه المدن والبنية التحتية. خلال أقل من 24 ساعة، تجاوزت كميات الأمطار في بعض المناطق الساحلية والوسطى حاجز 200 إلى 250 مليمترا، أي ما يعادل تقريبًا ثلث المعدل السنوي للأمطار في تونس الذي لا يتجاوز في المتوسط الوطني 230 إلى 260 مليمترا سنويًا.

لقد تحولت الشوارع إلى مجارٍ مائية، وغرقت منازل، وانهارت حيطان، وجُرفت مراكب صغيرة في الموانئ والمناطق الساحلية، فيما أعلنت السلطات عن مفقودين وأضرار واسعة في البنية الأساسية. السؤال لم يعد كيف حدث هذا؟ بل كم مرة يجب أن يتكرر المشهد حتى يصبح التخطيط الاستباقي سياسة لا شعارًا؟

حين يتجاوز الماء طاقة الشبكات والأحياء
بحسب بيانات المعهد الوطني للرصد الجوي، سجلت ولايات في الساحل والوسط الشرقي نسب هطول فاقت 300% من المعدل الشهري لشهر يناير في أقل من يومين. هذه الكثافة المطرية اصطدمت بشبكات تصريف صُممت في أغلبها خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لتحمل ذروة لا تتجاوز 20 إلى 30 مليمترا في الساعة، في حين تجاوزت الذروة المسجلة أمس في بعض المحطات 60 مليمترا في الساعة. النتيجة كانت فورية: قنوات فاضت قبل أن تمتلئ، أحياء منخفضة غُمرت بالكامل، وحركة مرورية شُلّت على محاور رئيسية تربط المدن بالمناطق الصناعية والموانئ.
في المناطق الساحلية، لم يكن المشهد أقل قسوة. مراكب صيد صغيرة جرفتها السيول التي اندفعت من اليابسة نحو المرافئ، في مشهد يربط بين أزمة حضرية وأزمة قطاع اقتصادي حيوي يشغّل آلاف العائلات. أما في الأحياء السكنية، فقد أدت تشبعات التربة بالمياه إلى انهيار جدران في مناطق بنيت على منحدرات أو أراضٍ طينية ضعيفة التحمل، وهو خطر معروف في تقارير وزارة التجهيز منذ سنوات، لكنه ظل حبيس الوثائق أكثر من كونه عنصرًا حاسمًا في قرارات الترخيص والبناء.

تونس في قلب الحزام المتقلب
تُصنف تونس اليوم ضمن الدول المجهدة مائيًا، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة 450 إلى 500 متر مكعب سنويًا، مقارنة بالحد العالمي للفقر المائي المحدد عند 1000 متر مكعب للفرد. paradoxalement، هذا الشح المزمن يتعايش مع فيضانات متكررة، وهو ما يصفه خبراء البنك الدولي بأنه أحد أخطر آثار التغير المناخي في شمال إفريقيا.
التذبذب الحاد بين الجفاف والأمطار القصوى. تقارير المناخ الإقليمية تشير إلى أن تواتر الأمطار الغزيرة في تونس قد ارتفع بنحو 15 إلى 20% خلال العقدين الأخيرين، مع توقع زيادة إضافية تصل إلى 30% في شدة الهطولات القصوى بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
في هذا السياق، تصبح البنية التحتية القديمة عبئًا مضاعفًا. شبكات صُممت لعالم مناخي “أكثر هدوءًا” تجد نفسها في مواجهة عالم يتسم بالتطرف والتقلب، دون تحديث جذري في التصميم أو القدرة الاستيعابية.

مؤشرات الجاهزية والإنفاق

على مستوى الاستثمار، تشير بيانات وزارة الاقتصاد والتخطيط إلى أن متوسط الإنفاق العمومي على صيانة وتحديث البنية التحتية الحضرية لا يتجاوز 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 3 إلى 4% في الدول التي تواجه مخاطر مناخية عالية. هذا الفارق ليس رقميًا فقط، بل يظهر في الواقع الميداني: شبكات صرف غير مُجددة، مجارٍ مائية مغطاة أو مُهملة، وغياب أنظمة استشعار وإنذار مبكر على مستوى الأحياء.
مؤشر الجاهزية للمخاطر المناخية الصادر عن مبادرة “نوتردام للتكيف” يصنف تونس في فئة “الجاهزية المتوسطة”، مع نقاط ضعف واضحة في محور “البنية التحتية الحضرية وإدارة الكوارث”. هذا التصنيف يضع البلاد خلف دول متوسطية مثل المغرب واليونان، التي رفعت استثماراتها في أنظمة الإنذار وإدارة الفيضانات بعد كوارث متتالية خلال العقد الماضي.

الكلفة الاقتصادية والأرقام
وفق تقديرات الجهات المختصة ، تمثل الفيضانات ما يقارب 60% من الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالكوارث الطبيعية في تونس. في العاصمة وحدها، تشير نماذج المخاطر إلى أن فيضانًا كبيرًا واحدًا يمكن أن يتسبب في أضرار مباشرة وغير مباشرة تتجاوز 500 مليون دولار، تشمل البنية التحتية، النقل، التجارة، والمساكن.
الأثر غير المباشر لا يقل خطورة حيث نلاحظ كل يوم تعطّل في النقل والأنشطة الاقتصادية في منطقة صناعية رئيسية وهو ما قد يعني خسائر تُقدّر بملايين الدنانير من الإنتاج المؤجل أو الملغى. في قطاع الصيد البحري، غرق أو تلف المراكب الصغيرة يهدد مصدر رزق مباشر لآلاف الصيادين، في اقتصاد محلي هش لا يملك دائمًا شبكات أمان اجتماعي كافية.

هناك تجارب مقارنة استطعت إدارة ازماتها المائية وسي لها الجارفة مثل هولندا، التي يقع أكثر من ثلث أراضيها تحت مستوى سطح البحر، لم تعد الفكرة هي منع الماء بل إدارته. فالمدن تبني ساحات تتحول عند الحاجة إلى خزانات مؤقتة، وأنهارًا تُعطى مساحات للفيض بدل أن تُحاصر بالجدران. استثمرت الحكومة الهولندية ما يزيد عن 1% من ناتجها المحلي سنويًا لعقود في مشاريع الحماية من الفيضانات، وهو ما جعل الخسائر البشرية والاقتصادية نادرة رغم المخاطر الجغرافية الهائلة.
وسنغافورة، من جهتها، أنشأت شبكة ذكية لتجميع مياه الأمطار تحت الأرض، مرتبطة بأنظمة استشعار وإنذار تُغلق الطرق وتحوّل مسارات المياه تلقائيًا عند بلوغ مستويات خطرة. اليابان ذهبت أبعد، ببناء أنفاق وخزانات عملاقة تحت المدن الكبرى قادرة على استيعاب ملايين الأمتار المكعبة من المياه خلال العواصف.
هذه التجارب لا تُنقل حرفيًا، لكنها تُظهر أن الاستثمار المسبق أقل كلفة بكثير من إعادة الإعمار المتكرر.

المدينة كاختيار سياسي
ما تكشفه الفيضانات بالأرقام هو أن شكل المدينة ليس مسألة هندسية فقط، بل قرار سياسي واقتصادي. فالبناء في مناطق منخفضة قد يكون أرخص اليوم، لكنه أغلى بكثير غدًا حين تتحول الأحياء إلى مناطق عالية المخاطر تعاني إهمال الصيانة الذي توفر له بنودًا في الميزانية السنوية، لكنه يراكم فاتورة مؤجلة تدفعها الدولة والمجتمع دفعة واحدة عند كل كارثة.

في النهاية يمكن الإشارة إلى أن المياه حين انحسرت مساء أمس الأول ، بقيت على الجدران آثار الطين، وعلى الطرق آثار الخراب، وفي الأرقام آثار أعمق. ما جرى لم يكن مجرد فيضان، بل كشفًا لحساب طويل من الاستثمارات المؤجلة والقرارات المؤقتة في مواجهة واقع مناخي دائم التغير. والسؤال الذي تطرحه هذه اللحظة ليس كيف نُصلح ما تهدم، بل كيف نُعيد تعريف علاقتنا بالمدينة وبالماء وبالزمن نفسه وهل نظل نتحرك بمنطق رد الفعل، أم نمتلك الشجاعة السياسية والاقتصادية لنستثمر اليوم في بنية تحتية تُنقذ غدًا؟ لأن المطر، كما تُظهر المؤشرات، لن يكون أرحم في المرة القادمة، لكننا قد نكون أذكى في استقباله، إذا قررنا أن نقرأ الأرقام قبل أن نكتفي بتأمل الصور.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115