أكثر المؤشرات الاقتصادية إثارة للجدل، ليس فقط لما يعكسه من تطور في الأسعار، بل لما يطرحه من أسئلة جوهرية حول دقة القياس ومدى تمثيله الحقيقي لمعاناة المستهلك. فبين الأرقام الرسمية المعلنة شهريًا، والإحساس اليومي للمواطن بارتفاع كلفة العيش، تتسع الفجوة وتتعاظم الحاجة إلى قراءة نقدية معمّقة لمؤشر التضخم وأدواته، وعلى رأسها سلة الاستهلاك المعتمدة.
حين تُعلن نسب التضخم في تونس شهريًا، تبدو الأرقام للوهلة الأولى واضحة ومحددة، لكنها سرعان ما تثير تساؤلات أعمق لدى المواطن والمتابع الاقتصادي على حد سواء. كيف يمكن لمؤشر رسمي أن يشير إلى تراجع التضخم، في وقت تتواصل فيه شكاوى الأسر من ارتفاع كلفة المعيشة؟ وهل تعكس هذه النسب فعلًا واقع الاستهلاك اليومي للتونسيين، أم أنها تقيس اقتصادًا لم يعد موجودًا بالصيغة نفسها؟ ثم إلى أي حد ما زالت سلة الاستهلاك المعتمدة قادرة على تمثيل التحولات التي طرأت على أنماط الإنفاق والعادات الاستهلاكية في ظل الأزمات المتلاحقة؟
هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل تمس جوهر السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لأنها تحدد كيف يُفهم التضخم، وكيف تُبنى على أساسه القرارات المتعلقة بالأجور، والدعم، والسياسة النقدية. ومن هنا تنطلق هذه القراءة التحليلية لمسار التضخم في تونس، وللرهانات المرتبطة بإعادة النظر في أدوات قياسه، وفي مقدمتها سلة الاستهلاك.
مسار التضخم عبر السنوات
عرفت تونس منذ سنة 2021 موجة تضخمية متصاعدة، مدفوعة بعوامل داخلية وخارجية متداخلة. فقد بلغ معدل التضخم السنوي في حدود 5.7% سنة 2021، قبل أن يقفز إلى 8.3% سنة 2022، ثم يصل إلى ذروته خلال سنة 2023 عند حوالي 9.3%، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ عقود.
هذا الارتفاع الحاد جاء نتيجة عدة عوامل، أبرزها اضطراب سلاسل التوريد العالمية، ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب، تراجع قيمة الدينار، إضافة إلى اختلالات هيكلية في السوق الداخلية. وفي سنة 2024 بدأ التضخم يسجل مسارًا تنازليًا نسبيًا ليستقر في حدود 7%، ثم واصل التراجع خلال سنة 2025 ليصل إلى حوالي 5.3% كمعدل سنوي، مع تسجيل نسب شهرية دون 5%.
ورغم هذا التراجع الظاهري، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل يعكس انخفاض التضخم تحسنًا فعليًا في مستوى عيش التونسيين، أم أنه مجرد تباطؤ في وتيرة الارتفاع دون معالجة الأسباب العميقة؟
يقاس التضخم في تونس بالاعتماد على سلة استهلاك مرجعية تمثل متوسط إنفاق الأسر على مجموعة من السلع والخدمات. غير أن الإشكال الأساسي يكمن في أن هذه السلة أصبحت، مع مرور الوقت، أقل تعبيرًا عن أنماط الاستهلاك الفعلية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة.
فعديد الأسر التونسية، وخصوصًا ذات الدخل المحدود، اضطرت إلى تغيير سلوكها الاستهلاكي جذريًا: تقليص استهلاك بعض المواد الغذائية، الاستغناء عن منتجات كانت تُعد أساسية، والاتجاه نحو بدائل أقل جودة وأرخص ثمنًا. هذه التحولات لا تنعكس بدقة في مؤشر التضخم، لأن السلة المعتمدة تفترض استمرار نفس الكميات ونفس الأنماط الاستهلاكية.
وبذلك، قد يظهر التضخم الرسمي أقل حدة مما يشعر به المواطن فعليًا، خاصة عندما ترتفع أسعار المواد الأساسية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من ميزانية الأسر الفقيرة والمتوسطة.
عادات استهلاكية جديدة خارج الحسابات الرسمية
أفرزت السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد جائحة كوفيد-19، أنماطًا جديدة من الاستهلاك في تونس. فقد ازداد الاعتماد على الخدمات الرقمية، وتغيرت طرق التسوق، وارتفعت نفقات النقل والطاقة مقارنة ببنود أخرى. كما أصبح المستهلك أكثر حساسية للأسعار، وأكثر ميلًا للمقارنة والبحث عن العروض، وهو ما أدى إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
غير أن هذه التحولات لم تُدمج بعد بالشكل الكافي في سلة الاستهلاك، ما يجعل مؤشر التضخم أقل قدرة على مواكبة الواقع المتغير. فالتضخم لم يعد مجرد ارتفاع أسعار، بل هو انعكاس لتغير نمط الحياة نفسه.
يتم تحديث سلة الاستهلاك في عديد الدول، خاصة في أوروبا، بشكل دوري اعتمادًا على مسوح ميدانية متكررة لأنماط الإنفاق، كما يتم أحيانًا اعتماد أكثر من مؤشر تضخم يعكس الفوارق بين الفئات الاجتماعية أو المناطق الجغرافية.
بعض الدول تعتمد ما يُعرف بـ"التضخم المُدرَك" إلى جانب التضخم الرسمي، وهو مؤشر يأخذ بعين الاعتبار تركّز إنفاق الأسر على المواد الأساسية، ما يسمح بفهم أعمق للأثر الاجتماعي لارتفاع الأسعار. هذا التوجه لا يزال غائبًا نسبيًا في التجربة التونسية.
قياس أدق للتضخم و القرار الاقتصادي
إن إعادة النظر في سلة الاستهلاك في تونس لم يعد خيارًا تقنيًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية. فمؤشر تضخم أدق وأكثر مرونة من شأنه أن يساعد صانعي القرار على بلورة سياسات نقدية واجتماعية أكثر نجاعة، سواء تعلق الأمر بتعديل نسب الفائدة، أو توجيه الدعم، أو مراجعة الأجور.
كما أن اعتماد سلال استهلاك مختلفة حسب الشرائح الاجتماعية قد يساهم في كشف الفوارق الحقيقية في الأثر التضخمي، ويمنح الرأي العام صورة أوضح عن الواقع بدل الاكتفاء بمعدل عام يخفي الكثير من التفاوت.
في النهاية، لا تكمن خطورة التضخم فقط في ارتفاعه، بل في سوء فهمه أو قياسه بشكل غير مطابق للواقع. فالأرقام، مهما بلغت دقتها الإحصائية، تفقد معناها إن لم تعكس حياة الناس اليومية. ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح منهجية قياس التضخم في تونس، وخاصة تحديث سلة الاستهلاك وفق العادات الجديدة، يشكل خطوة أساسية نحو اقتصاد أكثر شفافية وعدالة، حيث لا تكون المؤشرات مجرد أرقام، بل أدوات لفهم المجتمع وخدمته.
لم يعد النقاش حول التضخم في تونس نقاشًا تقنيًا محصورًا في الدوائر الإحصائية أو المالية، بل تحوّل إلى قضية مجتمعية بامتياز، تتقاطع فيها الأرقام مع الإحساس اليومي بغلاء المعيشة. فبين مؤشر رسمي يسجل تراجعًا نسبيًا، وواقع معيشي يزداد ضغطًا على شرائح واسعة من المجتمع، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة تضع المستهلك في قلب عملية القياس، لا على هامشها.
إن مراجعة سلة الاستهلاك وتحديثها بما يعكس التحولات الفعلية في أنماط الإنفاق ليست غاية في حد ذاتها، بل مدخل أساسي لإعادة بناء الثقة في المؤشرات الاقتصادية، وجعلها أدوات حقيقية لتوجيه السياسات العمومية.
في أفق اقتصادي يتسم بعدم اليقين، يبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من تضخم يُقاس بالأرقام فقط، إلى تضخم يُفهم في بعده الاجتماعي، ويُدار بسياسات أكثر عدالة وواقعية، قادرة على حماية القدرة الشرائية اليوم، واستشراف توازنات أكثر استدامة في الغد.