من الإبداع إلى الإلحاق: ضمّ المؤسسات الثقافية هل هو إصلاح أم إعادة تدوير للأزمة؟

ليست المؤسسات الثقافية مجرد بنايات

وتسميات وملفات، بل فضاءات حيّة تؤسس الذاكرة والمعنى. وفي قرار "ضمّها" أو "إلحاقها"، يتجاوز الأمر مجرد تغيير هياكل إدارية ليعيد تشكيل علاقة الثقافة بالسلطة، والإبداع بالمؤسسة. هل تأتي قرارات الضم بوصفها إجراءات تقنية محايدة، أم اختيارات تمسّ جوهر المشهد الثقافي نفسه؟ هل هي إنقاذ ضروري، أم إعادة ضبط قد تفقد فيها هذه الفضاءات استقلالها وروحها وجوهرها؟

في إطار "متابعة سير المؤسسات الثّقافية الرّاجعة بالنّظر للوزارة، وحرصا على مزيد إسنادها هيكليا ولوجستيا وفنيا، وسعيا إلى مزيد إحكام التصرف الإداري فيها ومع انطلاق السنة الإدارية الجديدة"، أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرّارفي، يوم الاثنين 05 ديسمبر 2025، على جلسة عمل حضرها كلّ من مدير بيت الرواية ومدير بيت الشعر والمدير العام لمعهد تونس للترجمة ومدير المركز الوطني للخزف الفني بسيدي قاسم الجليزي والمديرة العامة للمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، ومديرة مركز الفنون والآداب والثقافة بالقصر السعيد.
و أفادت الوزارة في بلاغ لها أنه بعد تبادل الآراء والمقترحات والتنسيق بين مختلف الإدارات تمّ الاتفاق على إلحاق بيت الرواية وبيت الشعر إداريا بمعهد تونس للترجمة، وضمّ المركز الوطني للخزف الفني بالمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، بما من شأنه مزيد ترشيد التصرّف الإداري والمالي.
يبدو أنّ هذه الجلسة قد خُصصت، رسميا، لمعالجة "الإشكاليات التسييرية" التي تعيق عمل هذه المؤسسات، لكنها في كشفت عن مأزق أعمق. فالمؤسسات الثقافية التي أُنشئت لتكون فضاءات حرّة للإبداع، بدت كملفات ملحقة، مرتبطة إداريا بغيرها.

إنّ قرار إلحاق بيت الرواية وبيت الشعر بمعهد تونس للترجمة، وضمّ المركز الوطني للخزف الفني إلى المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، قُدِّم بوصفه خطوة نحو "ترشيد التصرف الإداري والمالي". وهو هدف مشروع بلا شك، في ظل ما تعانيه الإدارة العمومية من تعقيدات وتداخل صلاحيات. لكن السؤال الثقافي الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يكفي ترشيد الإدارة لترشيد الثقافة؟ وهل تُحلّ أزمات الإبداع دائما عبر إعادة توزيع الهياكل؟

وقد لا يكمن الخطر في مثل هذه القرارات في المبدأ، بل في فلسفتها إن لم تكن مصحوبة برؤية ثقافية واضحة. فحين تُدمج المؤسسات فقط من أجل الاقتصاد في الموارد، قد يسجل ربحا في الميزانية، لكنه قد يؤدي إلى خسارة في التنوّع، وفي استقلالية المشاريع، وفي قدرة كل فضاء على بناء هويته الخاصة وعلاقته بجمهوره.

ما يظل معلقا بعد هذه الجلسة ليس قرار الإلحاق في حد ذاته، بل ما سيليه. فهل ستتحول هذه المؤسسات بعد إعادة تنظيمها إلى فضاءات أكثر حرية وفاعلية؟ أم ستغرق أكثر في المركزية والبيروقراطية؟ هل سيُمنح لها هامش أوسع للإبداع، أم سيُطلب منها فقط أن تكون "أكثر انضباطا" إداريا؟

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115