عمل مركز النهوض بالصادرات، بل مثّلت سنة مفصلية انتقل خلالها من منطق الترويج التقليدي إلى منطق التأثير الاقتصادي الفعلي. فالأرقام، كما نوعية الأنشطة، تكشف عن تحوّل واضح في الرؤية، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على تسجيل حضور رمزي في الأسواق الخارجية، بل أصبح موجّهًا نحو بناء تموقع مستدام للمنتج التونسي، قائم على التنويع الجغرافي، والتخصص القطاعي، وتعميق الشراكات، وتحديث أدوات العمل. وقد جاءت حصيلة السنة لتجسّد هذا التوجّه عبر نشاط مكثّف، موزون، وموزّع بذكاء بين الأسواق والقطاعات.
نفّذ مركز النهوض بالصادرات خلال سنة 2025 ما مجموعه 68 نشاطًا ترويجيًا، وهو رقم يعكس نسق عمل مرتفعًا وتوجّهًا واضحًا نحو تكثيف المبادرات الميدانية وتنوّعت هذه الأنشطة بين مشاركات تونسية في صالونات ومعارض دولية بالخارج، وبعثات لرواد الأعمال، وأيام تجارية، وعمليات استكشافية للأسواق، فضلًا عن استقبال وفود مورّدين أجانب بتونس.
الحضور الجماعي والهوية الوطنية
شكّلت المشاركات التونسية في المعارض والتظاهرات التجارية الدولية أحد أعمدة البرنامج الترويجي لسنة 2025، حيث بلغ عدد التظاهرات التي نظّمها المركز المشاركة التونسية فيها 25 تظاهرة، استهدفت 17 سوقًا وشملت 7 قطاعات وفروع. ويُلاحظ إدراج خمس مشاركات استكشافية، في إشارة واضحة إلى اعتماد منطق استباقي يقوم على دراسة الأسواق قبل الانخراط المكثّف فيها.وقد استفادت من هذا البرنامج 270 مؤسسة تونسية مصدّرة، عرضت منتجاتها وخدماتها ضمن أجنحة وطنية بلغ عددها 20 جناحًا، بمساحة جملية ناهزت 3224 مترًا مربعًا. ويعكس هذا الاختيار تمسّك المركز بمقاربة “الجناح الوطني” كأداة لتعزيز صورة موحّدة للمنتج التونسي، وتكريس العلامة الوطنية في الأسواق الخارجية، بدل الاكتفاء بمشاركات فردية مشتّتة.
برز البعد الإفريقي بقوة ضمن حصيلة 2025، سواء من حيث عدد الأنشطة أو نوعيتها. فقد سجّلت تونس حضورًا وطنيًا مميزًا في الدورة الرابعة للمعرض الإفريقي للتجارة البينية، من خلال جناح وطني امتد على مساحة 304 أمتار مربعة واحتضن 26 مؤسسة تونسية، من بينها أربع شركات ناشئة مصدّرة، إلى جانب عدد من الحرفيين. ولم يقتصر هذا الحضور على الجانب التجاري فقط، بل شمل بعدًا مؤسساتيًا من خلال مشاركة هياكل عمومية وغرف تجارية ومنظمات مهنية، ما يعكس توجّهًا نحو تقديم تونس كشريك اقتصادي متكامل داخل القارة الإفريقية، وليس كمجرّد مصدر لمنتجات.
العمليات الترويجية المباشرة
راهن مركز النهوض بالصادرات بقوة على العمليات الترويجية المباشرة في الأسواق الخارجية، حيث تم تنظيم 43 عملية ترويجية خلال سنة 2025، استهدفت 30 وجهة تصديرية. وتنوّعت هذه العمليات بين بعثات رجال أعمال وأيام تجارية بالخارج، واستقبال مورّدين أجانب بتونس، إلى جانب تظاهرات خصوصية وبعثات اقتصادية متنقلة. وقد شاركت في هذه العمليات 925 مؤسسة تونسية، وأسفرت عن عقد أكثر من 5500 لقاء مهني مباشر، وهو ما يعكس انتقال الترويج من مجرّد عرض المنتجات إلى خلق فضاءات فعلية للتفاوض وبناء الشراكات. كما سجّلت السنة استهداف أربع وجهات جديدة، في خطوة تعكس سعيًا لكسر محدودية الأسواق التقليدية وتنويع خارطة التصدير.واحتل قطاع زيت الزيتون موقعًا محوريًا في البرنامج الترويجي لسنة 2025، حيث خُصّصت له 25 عملية ترويجية هدفت إلى تعزيز تموقع الزيت التونسي، خاصة المعلّب، في الأسواق الخارجية. وقد شملت هذه العمليات بعثات أعمال واستقبال وفود مورّدين، إلى جانب تظاهرات خصوصية للتثمين.
الأسئلة النقدية وطبيعة القيمة المضافة
رغم كثافة الأنشطة الترويجية وتنوّع الأسواق والقطاعات التي شملتها حصيلة 2025، فإن القراءة الاقتصادية المتأنية تطرح سؤالًا محوريًا حول طبيعة القيمة المضافة التي تولّدها هذه الجهود على المدى المتوسط والبعيد. فالتقرير يقدّم معطيات دقيقة حول عدد التظاهرات، اللقاءات المهنية، والمؤسسات المشاركة، لكنه يتوقّف عند حدود قياس النشاط ولا ينتقل إلى قياس الأثر، وهو ما يفتح مجالًا للتساؤل حول مدى قدرة هذه المقاربة على تحويل الزخم الترويجي إلى نتائج اقتصادية ملموسة ومستدامة. هل يكفي عقد آلاف اللقاءات المهنية لضمان اختراق فعلي للأسواق، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في متابعة ما بعد الترويج، وفي مرافقة المؤسسات نحو إبرام العقود واستدامتها؟ وإلى أي حدّ تمكّنت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لا سيما منها الجديدة على التصدير، من تحويل هذا الانفتاح إلى موقع تنافسي ثابت داخل سلاسل القيمة الدولية؟
بالاضافة الى ما تقدم يثير تنويع الوجهات التصديرية، الذي يشكّل أحد أبرز ملامح حصيلة السنة، تساؤلات حول جاهزية النسيج التصديري الوطني لمواجهة متطلبات أسواق مختلفة من حيث المعايير، الكلفة، والقدرة على الاستمرارية. فالتوسّع الجغرافي، وإن كان خيارًا استراتيجيًا مشروعًا، يظلّ رهين قدرة المؤسسات على تحمّل أعباء النفاذ والمتابعة، وهو ما يستدعي التفكير في مدى توازن السياسات الترويجية بين فتح أسواق جديدة وتعميق الحضور في الأسواق التي أثبتت نجاعتها. وفي السياق ذاته، يبرز سؤال توجيه الدعم العمومي فهل يتمّ ربط آليات الدعم، خاصة في ما يتعلّق بالنقل والترويج، بمؤشرات أداء واضحة تقيس التطور الفعلي للصادرات وجودتها، أم أن الدعم يظلّ موجّهًا أساسًا لتغطية الكلفة دون مساءلة كافية حول المردودية الاقتصادية؟
في الواقع لا يقلّ مسار التحول الرقمي أهمية في هذا السياق النقدي، إذ إن الانتقال إلى المنصّات الرقمية ومنظومات التصرف الحديثة يمثّل خطوة ضرورية، لكنه يطرح بدوره سؤال الجدوى العملية. فهل انعكس هذا التحول على تسريع الإجراءات، تحسين تجربة المصدّر، وتكافؤ النفاذ إلى المعلومة بين مختلف الجهات، أم أنه لا يزال في طور البناء المؤسسي دون أثر مباشر قابل للقياس؟ كما يفتح التقرير، دون أن يجيب صراحة، نقاشًا أوسع حول الحوكمة والتنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة التصديرإلى أي مدى تمكّنت هذه الجهود المتعددة من العمل ضمن رؤية موحّدة تتجاوز منطق التدخلات المتوازية نحو منطق السياسات المتكاملة؟
عموما لا تقلّل هذه الأسئلة من أهمية ما أُنجز، لكنها تنقل النقاش من منطق تسجيل الإنجاز إلى منطق تعظيم الأثر، ومن قياس الجهد إلى قياس القيمة المضافة. وهي أسئلة ضرورية إذا ما أُريد لحصيلة 2025 أن تكون ليس فقط سجلًّا للنشاط، بل قاعدة تفكير استراتيجي تُسهم في إعادة توجيه السياسات الترويجية نحو نجاعة اقتصادية أعلى وقدرة أكبر على خلق الثروة والاندماج المستدام في الاقتصاد العالمي.