قهوة الأحد: نحن والبريكسيت (Brexit)

لم تتأكد نتائج الاستفتاء في بريطانيا حول مسألة البقاء من عدمه في الاتحاد الأوروبي إلا مع بدايات تباشير الصباح الأولى. فقد بقيت النتائج لآخر وقت غير واضحة والمنافسة محتدمة حتى أن البعض اعتقد أن معسكر البقاء قد يتمكن من الفوز. وقد قام هذا المعسكر

بمعركة شرسة من أجل إقناع الناخبين بأهمية البقاء في الاتحاد الأوروبي. وقد ساهم اغتيال النائبة العمالية جوكوكس والمساندة للبقاء في دفع وتحسين استطلاعات الرأي لهذا المعسكر. وقد نجح هذا المعسكر في تخفيض الفارق الهام والسلبي الذي كان يفصله عن معسكر الخروج إلى درجة أن المعسكرين وصلا إلى نتائج قريبة في استطلاعات الرأي وقد ساهمت الحملة الهامة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون والذي يحمّله الكثيرون اليوم نتائج هذا القرار الكارثي والذي وإن مكنه من كسب الانتخابات منذ أشهر فإنه سيفقده منصبه في تحسين نتائج معسكر البقاء.

 

كما لعبت دعوات عديد الزعماء الأجانب ومن بينهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الصيني شي جين بينغ وعديد المسؤولين في المؤسسات المالية العالمية في إقناع الكثير من الناخبين بالخروج من حالة الانتظار والانتصار لفكرة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

إذن لعبت كل هذه الحملات والدعوات دورا هاما في دعم موقع معسكر البقاء بدرجة أن الكثير اعتقد أن انتصاره أصبح محتوما إلا أن نتائج الاستفتاء صبيحة الجمعة كذّبت هذه التوقعات وكان وراء صدمة أو زلزال لم تعرفه أوروبا منذ 60 سنة. ومنذ الساعات الأولى من الصباح بدأ المسؤولون السياسيون والماليون في القيام بالمشاورات والاجتماعات لأخذ القرارات الضرورية للحد من خطورة هذا القرار ومن تأثيراته السلبية على البناء الأوروبي وعلى الاقتصاد العالمي.

في هذه الورقة سنحاول التعرض إلى ثلاثة مسائل هامة: الأولى هي فهم أسباب رفض البريطانيين للبناء الأوروبي وعملهم منذ سنوات على المحافظة على استقلالهم، المسألة الثانية تخص انعكاسات هذا القرار على المستوى العالمي وأبعاده السياسية والاقتصادية والمسألة الثالثة تخص تداعيات هذا القرار على بلادنا.

دواعي الخروج
فيما يخص الأسباب التي دفعت البريطانيين إلى النظر بكثير من الحذر إلى الاتحاد الأوروبي أريد الإشارة إلى أربع أسباب رئيسية: السبب الأول له علاقة بالشخصية البريطانية الدفينة والعميقة، وهذه الشخصية وككل الشعوب التي تعيش في جزر تتميز باستقلالية كبيرة بطبيعة ضعف علاقاتها مع الشعوب الأخرى وتشكل البحار والمحيطات حواجز طبيعية تحد من اختلاطها وعلاقاتها مع الشعوب الأخرى. وقد تدعّمت مقومات هذه الشخصية مع الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر والتي مكّنت البريطانيين من تلبية حاجياتهم بدون الرجوع إلى البلدان الأخرى أو الأسواق العالمية. وهكذا كانت الاستقلالية والخصوصية من أهم ميزات الشخصية البريطانية والتي جعلتها ترفض أو تنظر بحذر كل مشاريع الانخراط أو الانصهار في المشاريع الأخرى. والخوف كل الخوف عند البريطانيين هو أن الانصهار في هذه المشاريع سيفقدهم خصوصيتهم. وقد قاد هذا التصور رؤية البريطانيين للمشروع الأوروبي منذ إرهاصاته الأولى وجعل نظرتهم لهذا المشروع سلبية لا فقط على مستوى النخب بل كذلك على المستوى الشعبي.

المسألة الثانية التي أثارت احتراز البريطانيين تجاه المشروع الأوروبي هي الفلسفة التي قادت هذا البناء. فقد اعتبر البريطانيون أن هذه الفلسفة تتميز بالتعقيد والإكثار من القوانين والمؤسسات وهي فلسفة القارة والتي تتعارض مع فلسفة البريطانيين والتي تتميز بالبراغماتية. وهذه قناعة راسخة وقديمة عند البريطانيين حيث يعتبرون أن التفكير الأوروبي المتأثر بأفكار الأنوار الفرنسية وفلسفات الحداثة يتميز بالتعقيد والتوجه الغاطس في المسائل النظرية والمؤسساتية وهو ما يتعارض مع البراغماتية الكبيرة التي تميز التفكير البريطاني والتي أصبحت فيما بعد تميز كل الفكر الأنغلوساكسوني مقارنة بالتفكير الأوروبي وبصفة خاصة الفرنسي منه.

وهذا التصور جعل البريطانيين وكل حكوماتهم العمالية منها والمحافظة ترفض عديد المسائل من البناء الأوروبي. فقد رفضت الحكومات البريطانية المتعاقبة دفع مساهمتها كاملة في ميزانية الاتحاد الأوروبي لاعتبارها أن هذه الميزانية مرتفعة ومشطّة وهذا البناء لا يتطلب كل هذه المؤسسات المكلفة جدا. وقد تمكنت الحكومات البريطانية بعد مفاوضات عسيرة من تقليص مساهماتها في الميزانية المشتركة. كما انتقدت كل الحكومات البريطانية القوانين المشتركة التي تضمها مؤسسات الاتحاد الأوروبي واعتبروها تثقل من تدخّل البيروقراطية على حساب حرية الأفراد والمؤسسات الاقتصادية.

المسألة الثالثة وتخص الوضع الاقتصادي وهنا نشير إلى أن بريطانيا حافظت على استقلالية سياساتها الاقتصادية بعدم دخولها في منطقة الأورو. وقد اتبعت الحكومات المتعاقبة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية سياسات براغماتية تعتمد على دفع الاستثمار وسياسات مالية توسعية وهذه السياسات تختلف عن سياسات التقشف الكلاسيكية التي اتبعتها جل الحكومات الأوروبية. وطبعا اختلاف السياسات نتج عنه اختلاف كبير في النتائج. فلئن شهدت الأزمة الاقتصادية في البلدان الأوروبية مزيدا من التعقيد فإن بريطانيا شهدت انتعاشة اقتصادية على غرار الاقتصاد الأمريكي مما دفع التشغيل وبالتالي نقص من ضغط البطالة. وهنا يخشى البريطانيون على هذه الانتصارات التي قد تتأثر من مزيد التنسيق والانخراط في المشروع الأوروبي.

المسألة الرابعة والتي دعمت فكرة الخروج من البناء الأوروبي فهي المسألة الاجتماعية وكما أشرنا ولئن ساهمت الانتعاشات الاقتصادية في دفع التشغيل فإن بريطانيا عرفت نموا كبيرا في الفوارق الاجتماعية وتزايدا هاما للفجوة بين الأغنياء والفقراء كما أن هذه الانتعاشة الاقتصادية جلبت إلى بريطانيا الكثير من المهاجرين. وقد زادت هذه الهجرة بشكل كبير ونمت الفوارق الاجتماعية وتدفق المهاجرين الخوف لدى الطبقات الشعبية من تدهور أوضاعهم الاجتماعية مما دعم انحيازهم لمعسكر الخروج وأضفى شعبية متزايدة لقوى أقصى اليمين العنصرية.

لعبت جملة هذه الأسباب دورا كبيرا في الخوف والحذر الكبير للبريطانيين تجاه المشروع الأوروبي. وتفسر كذلك قوة معسكر الخروج لا فقط على مستوى النخبة السياسية بل كذلك على المستوى الشعبي. ولئن نجحت الحملة الانتخابية قبل الاستفتاء ودعم الزعماء الأجانب في تقوية معسكر البقاء فإن معسكر الرفض بقي قويا وصمد إلى آخر لحظة مما جعله يكسب نتائج الاستفتاء في آخر لحظة.

وقد كانت نتائج هذا الاستفتاء بمثابة الصدمة أو الزلزال الذي ضرب الاتحاد الأوروبي والمنظومة الدولية في الصميم. ولئن يصعب في الوقت الحاضر التنبؤ بصفة دقيقة بانعكاسات مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي وهذه النقطة الثانية التي نود التعرض لها في هذا المقال فإنه يمكننا أن نؤكد أنه خلق مناخا جديدا من التوتر والانتظار والتخوف من المستقبل والتي ستزيد من عمق التحديات والأزمات الكبرى التي يعرفها العالم اليوم.
وفي هذا المقال أريد الإشارة إلى ثلاثة مجالات ستعرف بالتأكيد تطورات هامة في الأشهر والسنوات القادمة.

التداعيات
المجال الأول هوا لمجال السياسي وهنا نشير أنه إلى جانب استقالة الوزير الأول البريطاني دافيد كاميرون فإن الانعكاسات السياسية لقرار المغادرة مرشحة للتطور على الأقل على مستويين: المستوى الأول يخص مستقبل البناء الأوروبي بعد خروج أحد أهم البلدان الفاعلة فيه فالكثير يرى أن بعض البلدان الأخرى قد تطرح هذه الفكرة وبالتالي ستجعل مستقبل هذا البناء غير مضمون لكن العديد يشير إلى أن هذه الصدمة ستدفع المسؤولين الأوروبيين للرد على النقد الذي ما انفكت الحكومات البريطانية المتتالية توجهه لهذا الصرح كالتقليص في هيمنة البيروقراطية والقيام بالإصلاحات الضرورية لتحسين فاعلية المؤسسات المشتركة وخاصة الخروج من سياسات التقشف وضبط السياسات الاقتصادية القادرة على إخراج أوروبا من حالة النمو الهش ودفع التشغيل وإعطاء الأمل للشباب.

والجانب السياسي لا يقتصر على مستقبل البناء الأوروبي بل يهم كذلك مستقبل المملكة المتحدة فلئن صوّت الناخبون الأنقليز للمغادرة فإن سكوتلندا وإيرلندا الشمالية صوّتا للبقاء. وهذا التضارب قد يدفع هذين البلدين إلى المطالبة باستفتاء حول بقائهم في المملكة المتحدة.

إذن سيكون لقرار المغادرة انعكاسات سياسية على عديد المستويات وسيضع الحكومات والقادة على المحك في المستقبل القريب فإما سيكونون قادرين على بناء مشروع وعقد سياسي جديد يحاول إعادة الأمل للشعوب وإلا سيمهد استفحال الأزمات إلى فتح فترة من المغامرة السياسية ستكون عواقبها وخيمة.

المسألة الثانية تهم الانعكاسات الاقتصادية للمغادرة وهنا نشير إلى أن عديد الدراسات تم إنجازها في عديد المؤسسات ومراكز البحوث لتقييم النتائج الاقتصادية لنتائج الاستفتاء وأول نتائج هذه الدراسات من الناحية المالية تشير إلى أن لندن ستفقد دورها كسوق مالية كبرى لفائدة بورصة باريس وفرانكفورت. وقد شهدت الأسواق المالية الكبرى هبوطا حادا في الأسهم منذ إعلان هذا القرار وسيتواصل هذا الهبوط في الأيام القادمة. كما عرف الجنيه الاسترليني واليورو كذلك تراجعا هاما مقارنة بالدولار. وفي رأيي فإن هذه الانعكاسات المالية مهيأة لتطور طالما لم تتخذ السلطات والحكومات القرارات الضرورية لطمأنة الأسواق.

الانعكاس الثاني يهم النمو وتشير الدراسات إلى أن بريطانيا ستعرف هبوطا حادا في النمو يتراوح بين1.5% و9.5% وهذا سيكون له تأثير كبير لا فقط على النمو في أوروبا بل كذلك على الاقتصاد العالمي وهذا الهبوط سيساهم في تدعيم الانكماش الاقتصادي وتعميق الأزمة الاقتصادية كما تشير هذه الدراسات كذلك إلى تأثير المغادرة على التجارة الدولية وهنا نؤكد أن بريطانيا ستضطر إلى إعادة مناقشة اتفاقات تجارة حرة على الأقل مع 60 بلدا انضمت إليها بوصفها عضوا في الاتحاد الأوروبي ومن ضمنها تونس. وهذا سيتطلب وقتا طويلا وستكون له انعكاسات سلبية على التجارة الدولية. إلى جانب الانعكاسات الاقتصادية فإن قرار المغادرة سيدعم القوى اليمينية في عديد البلدان الأوروبية والرافضة لمشروع الاتحاد الأوروبي. واعتبر عديد الملاحظين أن هذه القوى هي المنتصر الحقيقي أو بل قل الوحيد من قرار المغادرة. وتطالب هذه القوى بالرجوع للدولة الوطنية ورفض كل مشاريع تجاوزها ولكن وراء هذه الدعوات لا بد من الإشارة إلى رفض هذه القوى لمبدإ التعاون بين الدول وانتصارها لمبدإ القوة والعنف في العلاقات الدولية مما قد يفتح الباب أمام المغامرة على الساحة الدولية مع ما تعنيه من مآسي وحروب.

نحن والبريكسيت
المسألة الثالثة والأخيرة وتخص انعكاس هذا القرار على بلادنا وهنا أود الإشارة إلى الانعكاسات المباشرة وانعكاسات أخرى غير مباشرة في الجانب المباشر أشير إلى أن مبادلاتنا التجارية وإن كانت محدودة فهي إيجابية ولفائدتنا ولكن هذه المبادلات ستتطلب مفاوضات جديدة بعد الخروج. كما أن ضعف الجنيه الاسترليني سيكون له تأثير سلبي على تنافسية صادراتنا.

كذلك لا بد أن نشير إلى أن تراجع اليورو سيكون له تأثير إيجابي على الدينار وسيحد من انزلاقه إلا أن تراجع اليورو سيصاحبه صعود في قيمة الدولار والذي سينعكس سلبا على الدينار وعلى وارداتنا وخاصة في ميدان الطاقة.
أما التأثير المباشر والرئيسي في رأيي فيخص تراجع النمو عند شريكنا الأساسي أي الاتحاد الأوروبي وكما أشرنا في عديد المقالات فإن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن من نسق علي للنمو منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى لسنوات 2008 و2009. وهذا يرجع في رأيي إلى السياسات التقشفية التي اتبعتها أغلب بلدان منطقة اليورو والذي وضعت صلب أولوياتها التقليص منا لتداين. وبالرغم من السياسات المالية التوسعية للبنك الاوروبي فإن السياسات التقشفية حكمت على النمو بالبقاء في مستويات ضعيفة. وفي رأيي فإن قرار المغادرة سيدعم الانكماش وهشاشة النمو في أوروبا مما سيؤثر سلبا على صادراتنا وعلى النمو في بلادنا.

أما الجانب غير المباشر والذي سيكون له تأثير علينا فيخص في رأيي الوضع العالمي الجديد الذي سيخلقه قرار المغادرة وهو وضع يتميز بالانتظار والخوف من المستقبل والتقوقع الداخلي وإهمال العلاقات الدولية والتعاون العالمي. وهذا المناخ الضبابي والمتقلب وتركيز الحكومات على أوضاعها الداخلية لن يساعد في دعم التحول الديمقراطي في بلادنا والذي يتطلب مزيدا من الدعم من شركائنا وأصدقائنا.

إن نتائج الاستفتاء البريطاني ونجاح موقف المغادرة ستكون له نتائج وانعكاسات هامة على عديد المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي رأيي سيزيد هذا القرار من حالة الترقب الحذر والخوف من المستقبل والأزمات التي يمر بها العالم وبلادنا لن تكون خارج دائرة هذه الانعكاسات. والتعاطي مع هذه الأزمات وانعكاساتها على بلادنا وضبابية الوضع العالمي وتقلباتها لا بد لنا من تقوية جبهتنا الداخلية وبصفة خاصة تحديد سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة تمكننا من التقدم في تحقيق مطالب الثورة وإعطاء الأمل من جديد في غد مشرق.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115