قهوة الأحد: أزمة العلوم الاجتماعية : هل دخلنا عالـم ما بعد بورديو ؟

يعيش حقل العلوم الاجتماعية منذ سنوات أزمة عميقة على المستوى العالمي.فكغيرها من عديد الحقول

المعرفية الأخرى تعرف العلوم الاجتماعية صعوبات كبيرة في فهم الواقع وقراءة أهم التحولات الاجتماعية التي تعرفها مجتمعاتنا اليوم.فعديد الظواهر والتطورات الاجتماعية تبقى مبهمة وعصية على الفهم والتحليل.

ويمكن أن نأخذ عديد الأمثلة كالتحولات السياسية التي تعرفها عديد البلدان المتقدمة ونمو الحركات الشعبوية وحركات أقصى اليمين والتي عجلت بأزمة الحركات أو الأحزاب الكلاسيكية.كما يمكن كذلك أن نشير إلى ظاهرة الهجرة والنمو الهام الذي تعرفه بالرغم من المخاطر التي تحيط بها –وكذلك نشير إلى ظواهر الإرهاب والتي أدخلت العالم في دوامة العنف والخوف وعدم الاستقرار –فضلا عن التطور التكنولوجي الذي نعرفه اليوم والثورة الرقمية التي يمر بها العالم وانعكاساتها الاجتماعية والثقافية. يمكن لنا أن نضيف عديد المظاهر الأخرى والتحولات الكبرى العديدة والمتنوعة .لكن النتيجة واحدة وهي صعوبة فهم هذه التحولات وعجز عالم الاجتماع والباحثين في هذا المجال على تقديم القراءات المقنعة والتحاليل الضافية حول أسباب هذه التطورات وانعكاساتها.

وكان يمكن لهذه الصعوبات ولازمة العلوم الاجتماعية أن تبقى سجينة المخابر العلمية والجامعات ومراكز البحث لو لم يتدخل فيها السياسي لتصبح حديث الخاص والعام وقضية رأي عام خاصة في البلدان المتقدمة.وقد لعب الوزير الأول الفرنسي السابق مانوال فالس Manuel Valls دورا هاما في إخراج هذه الأزمة إلى الرأي العام عندما أشار في إحدى تصريحاته الصحفية اثر الاعتداءات الإرهابية في باريس في شهر نوفمبر 2015 «يجب القطع مع من يحاولون البحث عن أعذار أو تفسيرات ثقافية أو اجتماعية لهذه الاعتداءات الإرهابية».

وقد أشعل الوزير الأول السابق بدون أن يشعر فتيل الحرب التي تدور رحاها إلى يومنا هذا داخل العلوم الاجتماعية .وقد ساهمت هذه التصريحات في إخراج هذه الاختلافات والتناقضات داخل ميدان العلوم الاجتماعية من البوتقة المغلقة للباحثين ومراكز البحث والجامعات والمجلات المختصة إلى ساحة النقاش العام.

وفي رأيي يمكن اختزال هذا النقاش والصراع الذي تدور رحاه اليوم في ساحة العلوم الاجتماعية في سؤال مركزي وأساسي : هل انتهينا مع ارث عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieu ودخلنا العلــــوم الاجتماعيـة لمـــا بـعد بورديـو او Post-Bourdieu ؟

ولكي نفهم أهمية هذه الإشكالية والتساؤل الكبير الذي يشق قبيلة ومجمع الأساتذة والباحثين في هذا المجال لابد من العودة ولو بطريقة سريعة إلى ارث بيار بورديو في ميدان العلوم الاجتماعية .وبيار بورديو المولود في 1 أوت 1930 والمتوفى في 23 جانفي 2002 يعتبر أهم عالم اجتماع وباحث في هذا الميدان في النصف الثاني من القرن العشرين- ولم يقتصر تأثير بورديو على فرنسا بل امتد إلى اغلب بلدان العالم ليهيمن على الساحة الفكرية على المستوى العالمي.وقد اصدر بورديو عديد المؤلفات والدراسات لعل من أهمها
«La reproduction: Eléments d’une théorie du système d’enseignement»

سنة 1970 و«Questions de sociologie» سنة 1980 و«Homo acadِemicusسنة 1984 و«La noblesse de l’Etat» سنــة 1989 و«La misère du monde» سنة 1993 إلى جانب غيرها من الكتب والمؤلفات الهامة.

وقد ساهمت أبحاث ودراسات بورديو في بناء مدرسة هيمنت على ساحة الدراسات والعلوم الاجتماعية في فرنسا ثم العالم.وتهتم هذه الدراسات بأسباب إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والتناقضات المجتمعية ويرجع بورديو على خلاف النظرية الماركسية التي تؤكد على الظروف الاقتصادية هذه الفوارق ونموها وإعادة إنتاجها إلى العوامل الثقافية والرمزية التي تساهم مساهمة أساسية في إثباتها وتركيزها وتتصدى بالتالي لمحاولة نفيها ورفضها. ويؤكد بورديو على مفهوم العنف الرمزي أو La violence symbolique وهو جملة المؤسسات والعادات المجتمعية التي تثبت النظام الاجتماعي القائم وتؤكد مشروعيته وتنقد كل محاولات تغييره والثورة عليه.

وتقود جملة هذه التحاليل والدراسات إلى مفهوم آخر أكثر أهمية في أعمال بورديو وهو مفهوم habitus أو التعود والذي يدفع الطبقات الاجتماعية إلى القبول بواقع الهيمنة والفوارق الاجتماعية الكبرى وعدم رفضها أو الثورة عليها.وتبقى في مدرسة بورديو النتيجة الأساسية والهامة في التأثير الجوهري للعوامل الثقافية والرمزية على حركة الفرد والمجموعة والطبقة الاجتماعية ليكون الفعل الاجتماعي نتيجة حتمية لهاته العوامل ولا يمكن للفرد التحكم فيه أو تغييره.

لقد كانت هذه الفرضية أو الحتمية الثقافية الرمزية المكون الأساسي لنظرة بورديو للفعل الاجتماعي لتشكل النظرة والمنهج الذي سيطر على العلوم الاجتماعية في نصف القرن الأخير.هذه الهيمنة لفكر بورديو لم تخل بطبيعة الحال من النقد من قبل بعض الكتاب والمفكرين Raymond Boudon والذي أكد على حرية الفرد وقدرته على تحدي الحتمية التي تفرضها عليها المؤسسات والهياكل الاجتماعية إلا أن هذا النقد بقي محدودا ليواصل بورديو هيمنته على العلوم الاجتماعية لسنوات أطول.

إلا أن الوضع سيتغير منذ أشهر مع تزايد أزمة العلوم الاجتماعية والصعوبات التي تواجهها في فهم التحولات الكبرى التي يعيشها العالم.وستكون هذه الأزمة فرصة لبروز عديد الأصوات الرافضة لهيمنة الحتمية الهيكلية لمدرسة بورديو والتي هيمنت على العلوم الاجتماعية لعقود.وستاتي هذه الثورة على الإرث الفكري لبورديو مع الكتاب الحدث الذي صدر منذ أسابيع لمفكرين مهمين في ميدان العلوم الاجتماعية وهما Gerald Bronner و Etienne Ghir تحت عنوان « Le danger sociologique» أو «الخطر الاجتماعي» عن دار النشر PUF الفرنسية.وقد شكل هذا الكتاب ثورة نقدية على ارث المفكر بورديو وأرائه وأفكاره في ميدان العلوم الاجتماعية .واعتبر هذا المفكر ان العلوم الاجتماعية تاهت في فكر بورديو وأصبحت مجالا للتعبير عن المواقف السياسية عوض أن تحاول فهم وقراء التطورات والظواهر الاجتماعية.فقد غلب على عمل الباحثين في هذا المجال الجانب السياسي والنقدي الذي طغى وهمش بالتالي الجانب المعرفي .

وقد فتح هذا الكتاب النقاش في ميدان العلوم الاجتماعية.فكثرت الإصدارات والمساهمات العلمية التي ساهمت في فهم هذه الأزمة ومحاولة فتح السبل للخروج منها.وقد خصصت المجلة العلمية الهامة في فرنسا «le débat» عددها لنوفمبر الفائت لهذا النقاش وجمعت مساهمات عديد الثائرين والناقدين لإرث بورديو والمنادين بفتح فترة جديدة وصفحة جديدة أخرى في ميدان العلوم الاجتماعية – وقد فتحت هذه المساهمات مجالا لثورة مضادة في العلوم الاجتماعية ضد النظرة النقدية التي سادت لأكثر من نصف قرن وتكوين ارث جديد أطلق على نفسه النظرة التحليلية - ومن خلال قراءة اغلب المساهمات والنصوص فانه يمكن لنا القول أن هذه الثورة التي بدأت تبرز اليوم ترتكز على نقطتين هامتين: المسالة الأولى تهم الجانب الابستمولوجي او المعرفي ولئن أكد بورديو ان الممارسة البحثية في علم الاجتماع هي ممارسة اجتماعية ولا يمكن فصل الباحث عن مجال عمله والتي تؤدي في أغلب الأحيان إلى الالتزام السياسي عند الباحث وانخراطه في النضال من اجل تغيير واقعه فان التيارات الجديدة ترفض وتنقد بشدة هذا الاختيار. فهي تؤسس لاختيار معرفي جديد هدفه ربط العلوم الاجتماعية بالعلوم الصحيحة ليكون هاجس الباحث هو تحليل وقراءة هذه الظواهر الاجتماعية والمحافظة على مسافة عن هذه الظواهر.فموقع الباحث هو الحياد لفهم الظواهر وليس الانخراط في العملية الاجتماعية والتي تقوده حتما إلى فقدان الجانب التحليلي وانتفائه.

نقطة الاختلاف الثانية لهذا التيار الجديد مع ارث بورديو تخص المنهج ورفض إعطاء الحتمية الاجتماعية أو «déterminisme social» كل المجال في تفسير الظواهر الاجتماعية وفهمها.فحسب هذه التيارات الجديدة يبقى للشخص وللفرد حريته في تحديد موقعه الاجتماعي ومواقفه السياسية التي يكون مسؤولا عنها. فالإرهابي اليوم مثلا ليس نتاج سياسات التهميش والفقر بل هو نتيجة اختيار سياسي وعقائدي قام به ويتحمل فيه كامل مسؤوليته.

يعيش ميدان العلوم الاجتماعية فترة مخاض كبرى ونقاشات بين المنهج النقدي والمنهج التحليلي والالتزام السياسي والحياد التحليلي بين سوسيولوجيا الهيمنة الاجتماعية لبورديو والفردانية المنهجية individualisme méthodologique لريموند بودون وفي النهاية بين ارث Emile durkheim من جهة و Max weber من جانب ثان.وهذا المخاض في رأيي هو نتاج العجز وعدم قدرة العلوم الاجتماعية عن فهم التحولات الراديكالية التي نعيشها اليوم والتي تتطلب اليوم الكثير ومن العمل والبحث والكد من اجل تطوير أدوات البحث من اجل فهم الواقع وفتح الآفاق لتجربة تاريخية جديدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115