في العرض ما قبل الأوّل لفيلم «شيطان القايلة» لمعز كمون: في تجارة الأوهام والسمسرة بالأحلام... لا أحد خارج اللعبة!

«الفيلم ليس مشهدا، إنه أسلوب» وفي فيلم «شيطان القايلة» سعى المخرج معز كمّون إلى أن يكون له أسلوبه الخاص في طرح فيلمه الجديد كتابة و تصويرا وإخراجا ...

وما بين حدود الوعي وتخوم الجهل، تدور رحى هذا الفيلم الروائي الطويل لتطحن بين فكيّها غباء الفكر وسذاجة العقل ليتناثر غبار الرؤية الضبابية هنا وهناك ... وقد احتضنت قاعة الكوليزي بالعاصمة العرض ما قبل الأوّل لفيلم «شيطان القايلة» من إنتاج مؤسسة «سندباد للإنتاج» و»مجمع القوبنطيني».
بعد فيلمه الأوّل الطويل «كلمة رجال» الذي افتتح المهرجان العالمي بالدنمارك، وفيلمه الثاني «آخر ديسمبر» الذي حصد الجائزة الخاصّة بلجنة التحكيم لأحسن ممثّلة في مهرجان القاهرة السينمائي والجائزة الثانية في المهرجان الدولي للفيلم الشرقي بجنيف والجائزة الثانية في مهرجان مسقط، وفيلمه الثالث «حرّة» الذي عُرض في مهرجان لوكرانو السينمائي الدولي... يصافح «شيطان القايلة»، الفيلم الروائي الطويل الرابع في مسيرة المخرج معز كمّون جمهور القاعات التونسية انطلاقا من الغد 8 جانفي الجاري.

رحلة عكسية من الشمال إلى الجنوب
كثبان من الرمال الممتدة بلا انتهاء في الصحراء، وطيف رجل يحتمي بمطريّة من سياط الشمس اللاذعة... هكذا كان المشهد الافتتاحي لفيلم «شيطان القايلة» لتنتقل بعده كاميرا المخرج مباشرة إلى مكان مختلف حدّ التضاد مع الفضاء الأوّل. فإن صوّر الفيلم في استهلاله وحشة الصحراء وكآبة مناخها فقد تحوّل بعدها إلى ألفة البحر وصخب الشاطئ بالناس والحياة، وبذلك يلازم التساؤل المتفرج عن سرّ توظيف ذاك الرجل المجهول في تلك الصحراء؟
في فيلم «شيطان القايلة « تبدو القصة بسيطة ومعهودة، ففي غمرة انغماس الزوجين «فاطمة» (أداء سهير بن عمارة) و»إبراهيم» (أداء عبد المنعم شويات) في معيشة تبدو للوهلة الأولى مستقرة وهما يشتركان في تسيير مورد رزقهما المتمثل في مطعم على شاطئ البحر تتعرّى الحقيقة كاملة وتنكسر أولى خطوط هذا الاستقرار... فلم يكن الزوج سوى مقامر مدمن على المراهنة على أمواله حتى خسر مصدر رزقه الوحيد. ولم يكن المطعم هو الخسارة الوحيدة فلعنة القمار كانت أمرّ في الزج بإبراهيم بين قضبان السجن. بعد هذه المحنة، كانت الرحلة العكسية من الساحل والشمال إلى الصحراء في محاولة إعادة فتح أبواب مطعم مهجور لكن هذا التحوّل في حياة الأسرة الصغيرة لم يغيّر وضعها إلى الأفضل بل زاد تعقيدا وتأزما وقد تلقفها عبث مشعوذ محتال ... لتكون العودة مرة أخرى إلى النقطة الصفر !

حرباء وغراب ودّجال
قد لا تكون مضامين قصّة فيلم «شيطان القايلة» على قدر كبير من الخلق والطرافة وهي التي تفضح سلوكيات معتادة في مجتمعنا التونسي على غرار إدمان القمار، صورة الزوج الذي يسلب مال زوجته وثمرة تعبها وعرقها، تحيّل المشعوذين والسمسرة بالأحلام مقابل الأوهام، النبش عن الكنوز الدفينة في قلب الأرض ... ولكن في المقابل، اجتهد المخرج في محاولة الاختلاف على مستوى تقديم إشارات الفيلم وشفراته الخفية . في هذا السياق يستعين معز كمون بالموروث الشعبي في توظيف رموز فيلمه، فيستعير عنوان عمله الجديد من الحكاية الشعبية عن «شيطان القايلة « المخيف التي تحدث عنها الأمهات والجدات الأطفال الصغار حتى لا يتجرؤون على الخروج وقت الظهيرة عند اشتداد الحرّ... ولم يكن «شيطان القايلة» في الفيلم سوى ذاك العرّاف الدجال الذي يغادر جحره في القيلولة محتميا بمطريته السوداء نافثا سموم الشرّ حوله ...

ولم يكن من الغريب أن يأوي هذا المشعوذ «حرباء» تكرّر ظهورها في الفيلم لأكثر من مرّة، وكأننا بالمخرج يستعير الصفات التي ارتبط بهذا الحيوان في الثقافة العربية كرمز مكر وخداع وارتداء الأقنعة المزيفة... ليسقطها على معطيات واقعنا، الآن وهنا.
كما احتل الغراب باعتباره نذير شؤم عند العرب حيّزا هاما من مساحة اشتغال المخرج على منظومة الرموز والإشارات، فلم يكن ظهور «الغربان السود» في تونس والمجتمعات العربية سوى شرّ ونحس وخراب ...
في «شيطان القايلة» وكأننا بالكل يرغب في استنزاف ثورة الوطن ولهف كنزه والاستئثار بخيراته... إنها تونس في أحد صورها والانتهازيون يتربّصون بها من كل حدب وصوب وبألف حيلة وقناع.

ثغرات... وسقطات
في ملاحقة هاجس الرغبة في الاختلاف، يؤكد صاحب فيلم «شيطان القايلة» على ضرورة أن يكون لكل مخرج بصمته الخاصة وزاويته الذاتية بعيدا عن التكرار والتشابه... لكن تفاعل جمهور الفيلم في عرضه الأول لم يكن موافقا لتوّقعات المخرج، حيث عبّر جلّ المتابعين لـ»شيطان القايلة» على أن الفرجة لم تكن ممتعة وأن الفيلم لم يكن جيّدا ...
وإن كانت الموسيقى، والإضاءة، والمؤثرات الصوتية، والملابس، والألوان، ومواقع التصوير... كلها عناصر التوليفة العامة للفيلم، فإن خيط الانسجام الرابط بين كل هذه المكونات بدا هشا وأحيانا ممزقا مما تسبّب في ضياع المتفرج بين أحداث مبعثرة ومشاهد مسقطة وشخصيات غير واضحة ...
على مستوى أداء الشخصيات في فيلم ضم أسماء معروفة ومشهود لها بالكفاءة على غرار فتحي العكاري وعلي الخميري ... فإن ظهورها كان باهتا وخافتا مقابل سيطرة سهير بن عمارة وعبد المنعم شويات وفؤاد ليتيّم على الشاشة. وبالرغم من اجتهاد هؤلاء الأبطال الثلاثة في تقمص الدور ومحاولة نفخ روح الصدق فيه ، فقد كان بالإمكان أحسن مما كان !

المخرج معز كمون:
الاختلاف هاجسي وهدفي
«مثّل هذا الفيلم مغامرة بكلّ المقاييس، من البداية إلى النهاية، بدأت قصته تتبلور بعد تغلغل ظاهرة الدجل و الشعوذة في مجتمعنا، وفي جميع أنحاء العالم و في بلدان المغرب العربي على وجه الخصوص، يجد المشعوذون و الدّجالون و تجار الأوهام مكانا لهم، وينجحون في إغواء واستدراج المتعلّمين وذوي المستويات التعليميّة الراقية أحيانا.
في هذا الفيلم، فضّلت اعتماد التشويق و الخيال بعيدا عن «الميلودراما»، قصة الفيلم واضحة ومفهومة ويدعمها الأداء التمثيلي و المشاهد الطبيعيّة التي تجاوزت جمالها لتصبح جزءا من شخوص العمل.لم أرغب في تصوير مجرّد فيلم بقدر ما أردت العودة للسينما الحقيقيّة ومراجعها.»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115