أرشاق: ( أعْطِني مَوالاً إذا تَعَذّر اُلْصّبر... )

زَمَنُ الشكّ و حَاجَةُ التّونسيين اُلْماسّة كَمَا سَائِرِ اُلْعَرب أجْمعين إلَى « عِلْم اُلْــدَكّ»

• إهداء خاص:
إلى روح أحمد فارس الشدياق صاحب كتاب: «السّاقُ على السّاق» الذي أعلن إسلامه في تونس سنة 1857م
• اشارة من كتاب «الوَسَاطَة»:
« أكثر جُنون أهْل (مالطا) يكون عن وسواس في الدّين ...».
(1)

قَلِقٌ ومِثْلِي ومِثْلكَ يَقْلَقُ أيّها اُلْــتُّونسي اُلْنّبيلً .
مَسني القلَقُ المَعْرفي والوُجودي والعَاطفي وأنا أتصفّح كِتاب حياتي ذات ليلةٍ فأخذت أفْركُ ببَعْض لذّة رمّان عُزلتي التّونسية . أتصفّحُ من ذاكرتي القِرائية عَناوين الكُتب من مكتبتي الضائعة التي حشّ حُشاشَتها حَشّاشٌ تونسي منذ تَعاسَة تسْعينات القرن الآفل . فجأة أخذْتُ أسْتحْضر أسماء الكُتاب الفَطاحِلة مَشْرقا ومَغربا , عَربا و افرنجا الذين نسَجوا كسائي الثقافي كما أسْتَحْضر عناوين الكُتب النّادرة وبعضَ المخطوطات النّادرة كَذلك وأيضا والتي جُعْت حدّ تبول الدّم من أجل أن أوفّر ثـَمنها كما مخطوط «مَنامَات الوهْراني»... ومخطوط «نُزهة النفوس» وهو نفيسة من النّفائس في الموسيقي لإبن الطحّان كنتُ قدْ درّست منها تلك المخطوطة الحمراء نصّا طريفا حول آلة العود ... وأصل الـموّالات الحَزينة كما « يا ليل ...يا عين» . آه كم أنا مَدينٌ على طريقتي «لمحبّة الحِكمة» أقْصد السيدة الفلسفة بحبّ الحياة وحُبّ المعَارف وحبّ الحبّ وحُبّ الوطن وحبّ الحريّة و حُبّ الكُتُب وحتى حب العُزلة وتأمّل الحيوانات والشّجر والحَجَر .

(2)

قَلِقٌ ومِثْلِي ومِثْلكَ يَقْلَقُ أيّها اُلْــتُّونسي اُلْنّبيلً .
من بين الذين أنا مَدين لهم أيّـما دَينٍ بحُبّ «علوم اللسان» وبشغفي بالمعاجم وتشقيق المعاني في العَربية رأسا فارس حقيقي من فرسان «النهضة» في الـمُنتظم الحضاري العربي يملك حسّا « انتروبولوجيا » رهيفا ساعده عليه حبّه للملاحظة الحاذقة خلال التسيار والتّسفار والترحال بعقْد المقارنات السوسيولوجية بين «انسان الهنا والهناك» مستحضرا « مكر التاريخ » المحلي والكوني، من يمكن أن يكون هذا « الفارس الإستنهاضي»؟ انه أحمد فارس الشدياق التي تقول عنه موسوعة «مؤسسة هنداوي» الرائعة والرائدة:
أحمد فارس الشدياق: أديب وشاعر ولُغوي ومؤرخ، وأحد رواد النهضة العربية الحديثة. لقِّب بعدة ألقاب؛ منها: «السياسي الشهير» و«الصحافي ذائع الصيت»، وأشهر ألقابه: «الشدياق» - رتبة كهنوتية أقل من الكاهن - وكان يُطلق على المتبحِّر فى العلم ذي المكانة الرفيعة.
وُلد «فارس بن يوسف بن يعقوب بن منصور بن جعفر بن شاهين بن يوحنا» في الفترة ما بين (1801م–1805م) بقرية «عشقوت» في لبنان. عمل والده جابيًا للضرائب، وكان أديبًا مُحِبًّا للمطالعة واقتناء الكتب؛ مما ساهم في تثقيف أولاده. وكانت حياة الشدياق رحلة طويلة من الأسفار لم تنتهِ حتى بعد وفاته؛ فقد خرج من بيروت إلى دمشق ومنها إلى مصر، حيث درس في الأزهر وتزوَّج من «وردة الصولي». ثم رحل إلى «مالطة»، وقضى فيها أربعة عشر عامًا. وتحوَّل من المذهب الماروني إلى الإنجيليكية. وسافر إلى إنجلترا وفرنسا فقضى فيهما عشرة أعوام، وانتقل بعدهما إلى تونس، وفيها أعلن إسلامه عام 1857م وسمَّى نفسه «أحمد فارس». واستقر في «إسطنبول» حيث أطلق جريدته الغراء «الجوائب» عام 1881م، والتي تُعد من أشهر الصحف العربية آنذاك. وله العديد من المؤلفات، منها: «الساق على الساق في معرفة الفارياق» و«الواسطة في معرفة أحوال أهل مالطة» و«كنز اللغات» و«منتهى العجب في خصائص لغة العرب».
كان الشدياق علامة بارزة في القرن التاسع عشر، حيث استطاع أن يصوغ العديد من الأفكار الغربية التي خدمت قيام النهضة العربية؛ ولعل من أهمها سياسيًّا إدخاله مصطلح «الاشتراكية» إلى اللغة العربية. كما أكد أن الحكم المطلق هو سبب شقاء الشرق؛ لذا نادى بضرورة استطلاع رأي الشعب في القوانين التي تصدر من خلال مجلس نواب منتخب أو «مجلس الشورى»، كما أيد الخلافة العثمانية ودعا إلى فكرة الجامعة الإسلامية التي تبنَّاها السلطان عبد الحميد، وعارض بشدة ثورة «أحمد عرابي». واقتصاديًّا دعا إلى ضرورة التغيير والتطوير في المضمار الاقتصادي، ووعى تمامًا أضرار الاحتلال الغربي وعلاقته بترويج التجارة. واجتماعيًّا نادى بضرورة تحرير المرأة الشرقية. توفي أحمد فارس الشدياق سنة 1887 بإسطنبول غير أنه أبى أن يدفن إلا في وطنه لبنان وأوصى بذلك».

(3)

قَلِقٌ ومِثْلِي ومِثْلكَ يَقْلَقُ أيّها اُلْــتُّونسي اُلْنّبيلً
ومما أورده «الشدياق» في كتابه «الوساطة في معرفة أحوال مالطة» وصفة أزياء أهلها: «أما أهل القرى فإن الرجال منهم يثقبون آذانهم ويتقرّطون بأقراط من الذّهب ويرخون سوالف مجعّدة من أفوادهم إلى طُلاهم وهاتان صفتان من صفات الإناث (...) ويمشون حفاة ويتحزمون بأحزمة ومنهم من يتختّم بعدة خواتم من ذهب (...) ويجعل سترته على كتفه ويمشي حافيا مشية المفراح البطر وأن الجزار منهم أو الخمار يخرج في الأعياد وفي أصابعه عشرة خواتم من الذهب ومثلها في سلسلة ساعته وفي صدريته أزرار كثيرة من الذهب أو الفضة ..أما النساء فإن من كان لها حذاء لا تلبسه إلا إذا جاءت المدينة وهي معجبة به حتى إذا خرجت منها تأبطته ...
وللنساء زهوٌ وعجْبٌ إذا مَشين (...) فَترى أنّ المرأة تخْطو كالعروس المزْفوفة إلى بعْلها وهي مُـمْسِكَةٌ بطرفِ الوِشَاح باليَد اليُسرى وبطرفِ غطاء رأسها باُليـُمنى فمتى أوَين إلى بيوتهِن لبسن أخْلق ما عنْدهنّ من الثّياب ...
وفي الجمْلة فإنّ هَـمّ هؤلاء النّاس كلّه مَصروفُ في التّفَاخِر بالرّياشِ وهو شأنُ «حَديث اُلنّعمة». وفي موضع آخر من كتاب «الوساطة في معرفة أحوال مالطة» (ص28) يقول «ومن أعظم الحظ و اللذات الملهى المسمى عندهم ( الثّياطر) أو (الثّياطرو) وليس في ( فالتة مالطة) كلها سوى ملهى واحد (...) والظاهر أن المسلمين كانوا يُطْلقونَ على هذا الموضع اسم ( الملهى ) فقد كتب عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب ما نصّه» ... إني فتحت مدينة المغرب ولا أقدر أن أصف ما فيها غير أنّ بـها أربعة آلاف حمّام وإثني عشر ألف بقّال يبيعون البقْل الأخْضر وأرْبعَة آلاف يهودي يؤدون الجِزية وأرْبعة آلاف مَلهى/ انتهى».

(4)

قَلِقٌ ومِثْلِي ومِثْلكَ يَقْلَقُ أيّها اُلْــتُّونسي اُلْنّبيلً
ودعت « الفارس الاستنهاضي » بمرح ومحبة وترحّم حبري صادقٍ على روحه الحزينة والمرَحَة دون أن تـَهجع ذاكرتي القرائية تَطير بـي حينا في الآفاق المجهولة وحينا تسلمني لمدوّنات المتون والكتب كما «كتاب كشف أستار المحتالين ونواميس الحيّالين» وَ«كشف الدكّ وإيضاح الشك» وكل كتب «أدب كشف الحُجب» عن أسباب عَطبات و أعْطاب العَرب . فكم نحن فعلا في مسيس الحاجة إلى «عِلم الدكّ» و«علم الحَشَيان».
و«دق الحنك» في «السياسة للظفر بالرياسة» في كل الحالات والمجالات . لكن ما هو علم الدك هذا ؟
لقد ورد في «كتاب كشف الدك وايضاح الشك لإبن عامر بن عبد الله الاندلسي ( والعهدة على الرواري ) «علمٌ يُعْرفُ به طريق الإحتيال في جَلْبِ المنَافع والذي يباشر (هذه الحيل) يتزّي في كل بَلْدة بزي ّ يناسِبُ تلك البَلدة لأنْ يَعْتَقد أهلُ تلك البَلدَة في أصحاب ذلك الزيّ فتارَة يـَخْتارون زي الفُقهاء وتارَة يختارون زي الوُعاظ وتارة يخْتارون زيّ الصّوفية وتارَة يختارون زي الأشْراف إلى غير ذلك ثم همْ يحْتالون في خِداع العوام بأمور تعْجز العُقول عن ضَبْطها ...».
فما أسعد ابن شهيد وصحبه أجمعين «بالدكاكين»
و« الحيالين» و« المحتالين» في زمنه وما أحوجنا نحن اليوم الى مثل «علوم الدك» ... في السياسة والثقافة...ومصارف البنوك وقنوات صرف المياه .

(5)

إذا كان فعلا «أن» أكثر جُنون أهْل (مالطا) يكونُ عن وِسْواس في الدّين ... فإن جُنون أهل تونس في العموم .. من الفقر والفاقة و البرد العاطفي و الديّون . ( أعْطني موالا فقد تعذّر الصّبر).

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115