مجرد سلسلة من التحركات المتفرقة التي فرضتها أحداث محلية أو ظرفية، فمن فاجعة غرق مركب الهجرة غير النظامية قبالة سواحل جرجيس، إلى الاحتجاجات المرتبطة بانقطاع الماء والكهرباء، مرورا بالمطالب التنموية والاجتماعية في الجهات، تتقاطع التحركات لتطرح سؤالا حول قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب قديمة متجددة واستعادة الثقة فيها
يأتي هذا المناخ في وقت أظهرت فيه أرقام المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن شهر جويلية 2026 سجل 1101 تحرك احتجاجي، وهي أعلى حصيلة لشهر جويلية خلال عشر سنوات وفق التقرير. وارتفع عدد التحركات بـ27 بالمائة مقارنة بشهر جوان الفارط، وبأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بجويلية 2025.
احتجاجات غاضبة في بن قردان
كانت بن قردان، ليلة السبت 22 أوت الجاري، على موعد مع احتجاجات شعبية غاضبة إثر فاجعة غرق مركب للهجرة غير النظامية قبالة سواحل جرجيس، المركب كان يقل 15 شابا، أغلبهم من أبناء بن قردان، ولم ينج من الحادث سوى شخص واحد، فيما انطلقت عمليات بحث وإنقاذ واسعة بمشاركة وحدات الحرس البحري وجيش البحر والحماية المدنية والديوانة البحرية ومروحيات تابعة للحرس الوطني والجيش. وأُذنت الأبحاث العدلية لتحديد ملابسات الحادث. ومع تقدم عمليات البحث، ارتفع عدد الجثامين التي تم انتشالها، بينما ظل عدد من الشبان في عداد المفقودين. وتحول الانتظار للعائلات إلى غضب في الشارع، خصوصا مع الإحساس بأن الفاجعة ليست حادثا معزولا، وإنما نتيجة لمسار اجتماعي واقتصادي يدفع جزءا من شباب الجهة إلى المخاطرة بحياتهم بحثا عن أفق آخر.
تكشف حادثة بن قردان، مرة أخرى، أن الهجرة غير النظامية ليست فقط قضية حدود وبحر وشبكات تنظيم، بل هي أيضا انعكاس لأزمة ثقة وأفق لدى فئات من الشباب، وتكتسب الاحتجاجات التي أعقبت الفاجعة دلالة تتجاوز المطالبة بالإسراع في انتشال المفقودين إلى المطالبة بإعادة طرح ملف التنمية في بن قردان ومدنين والجنوب الشرقي باعتباره جزءا من السياسة الوطنية لا مجرد استجابة ظرفية لمطلب جهوي يظهر بعد كل أزمة.
678 تحركا بسبب انقطاع الماء والكهرباء
لئن فجرت بن قردان غضبا مرتبطا بالهجرة والتنمية، فإن أزمة الماء والكهرباء تمثل الوجه الآخر للاحتقان، ووفق تقرير المرصد الاجتماعي التونسي، سجل شهر جويلية 373 تحركا احتجاجيا بسبب انقطاع الماء الصالح للشراب، و305 تحركات بسبب انقطاع الكهرباء، أي 678 تحركا للمطلبين معا، بما يتجاوز 60 بالمائة من مجموع التحركات المسجلة خلال الشهر. هذه الأرقام لا تعكس مجرد مشاكل في شبكات التوزيع. فالماء والكهرباء، خصوصا خلال أشهر الصيف وموجات الحر، تحولا إلى عنوان مباشر لشعور المواطن بأن الخدمات الأساسية لم تعد مضمونة بالقدر الذي ينتظره. واللافت أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في قطاعات مهنية أو فئات اجتماعية منظمة، بل أصبح السكان أنفسهم في صدارة الفاعلين، إذ شاركوا في 746 تحركا احتجاجيا خلال جويلية، بحسب التقرير.
المهدية... الماء في قلب المشهد
في هذا المناخ، جاءت زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى عدد من مناطق الوسط والساحل يوم 22 أوت الجاري، بدءا من الوسلاتية والقيروان وسد نبهانة، وصولا إلى كندار وسلقطة وبرج الرأس وسيدي علوان بالمهدية، لتضع ملف المياه في واجهة المشهد الوطني. وخلال الزيارة، تناول رئيس الجمهورية وضع الموارد المائية وحسن استغلالها، كما استمع إلى مشاغل المواطنين في المناطق التي زارها. وتزامنت الزيارة مع تصاعد الشكاوى من انقطاعات الماء والكهرباء في عدد من المناطق، واعتبر رئيس الجمهورية أن ما يحصل من قطع للماء والكهرباء في ظل موجة الحر ليس أمرا طبيعيا، وتحدث كذلك عن حجز أكثر من 80 ألف قارورة ماء معدني كانت مخفية في أحد المستودعات، قبل توزيعها على الأسواق، كما أشار إلى توثيق عمليات قطع متعمد لأنابيب مياه وأسلاك كهرباء.
مطالب مختلفة
المؤشر الأبرز في أرقام جويلية هو أن الاحتجاج لم يعد مرتبطا بجهة بعينها، فقد سجلت ولاية تونس أعلى عدد من التحركات بـ166 احتجاجا، تلتها القيروان والمنستير بـ67 تحركا لكل منهما، ثم منوبة بـ59، في حين سجلت المهدية وسيدي بوزيد 48 تحركا لكل منهما. وشملت التحركات مختلف الولايات الأربع والعشرين بدرجات متفاوتة. وتشير الخريطة إلى أن الاحتجاج الجهوي يحمل مطالب مختلفة بحسب طبيعة المنطقة، لكنه يلتقي في النهاية عند مجموعة من العناوين الماء و الكهرباء والتشغيل والنقل والصحة والبيئة والبنية الأساسية والحق في التنمية. وفي الوقت نفسه، سجل جويلية 210 تحركات مرتبطة بالتشغيل والوضعيات المهنية، إلى جانب 109 تحركات ذات طابع مدني وسياسي و32 تحركا احتجاجا على أضرار بيئية، ما يؤكد أن الاحتقان متعدد الأبعاد وليس مرتبطا بملف واحد.
قد تبدو فاجعة بن قردان وأزمة المياه في المهدية والقيروان ومناطق أخرى ملفات مختلفة تماما، الأولى تتعلق بشباب غامروا بحياتهم في البحر، والثانية بمواطنين يطالبون بالماء والكهرباء، وبذلك، لا يمكن قراءة الاحتجاجات كحوادث منفصلة، إنها حلقات مختلفة في سلسلة واحدة من التوتر الاجتماعي، تتغير عناوينها من منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي عند مطالب الشغل والكرامة والخدمات والتنمية والعدالة الجهوية.
الدولة أمام اختبار الاستجابة
زيارة رئيس الجمهورية إلى مناطق مرتبطة بملف المياه، بالتزامن مع احتجاجات بن قردان وفاجعة الغرق، تعكس حجم الملفات المتراكمة على أجندة الدولة، لكن معالجة الاحتقان لا تتوقف عند زيارة ميدانية أو إجراءات ظرفية، مهما كانت أهميتها، فالاختبار الحقيقي يكمن في تحويل المطالب المتكررة إلى سياسات قابلة للتنفيذ، مشاريع تنموية في الجهات وصيانة شبكات المياه والكهرباء وتحسين الخدمات العمومية و خلق فرص العمل وتعزيز القدرة على التدخل السريع عند الأزمات. كما أن فاجعة بن قردان تفرض مقاربة تتجاوز البحث عن المفقودين والتحقيق في ظروف الغرق إلى معالجة الأسباب التي تجعل الهجرة غير النظامية تبدو، بالنسبة إلى بعض الشباب، خيارًا ممكنًا رغم مخاطرها القاتلة.
بين احتجاجات الماء والكهرباء، ومطالب التشغيل والتنمية، والتحركات الجهوية، وفاجعة شباب بن قردان، يبدو أن صيف 2026 يحمل رسالة اجتماعية واضحة، الاحتقان لم يعد ظاهرة ظرفية، بل أصبح جزءا من المشهد اليومي في البلاد.