تحسنا في نسق النشاط الاقتصادي، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي، بالأسعار الثابتة وبعد تعديل تأثير التغيرات الموسمية، بنسبة 2,3% على أساس سنوي، وبنسبة 1,4% مقارنة بالثلاثي الأول من السنة. وبذلك بلغ النمو خلال النصف الأول من السنة 2,4% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
وتكشف هذه النتائج أن الطلب الداخلي ظل المحرك الرئيسي للنمو، في وقت مثلت فيه المبادلات الخارجية أحد العوامل التي حدّت من نسق توسع النشاط الاقتصادي. وتبرز بذلك مفارقة مهمة في أداء الاقتصاد خلال الفترة، تتمثل في تحسن الصادرات من جهة، مقابل ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من جهة أخرى.
على مستوى القطاعات، لم يكن تحسن النمو خلال الثلاثي الثاني مدفوعاً بمحرك واحد. فقد واصلت الفلاحة دعم النشاط الاقتصادي مع تحسن القيمة المضافة للقطاع، في حين حافظت الخدمات على نسق إيجابي، مدفوعة بأداء أنشطة النزل والمطاعم والمقاهي والإعلامية والاتصال والنقل. كما سجلت الصناعات المعملية نمواً محدوداً، بالتوازي مع تحسن نشاط البناء.
في المقابل، تواصل تراجع أنشطة الطاقة والمناجم والماء والتطهير ومعالجة النفايات، وهو ما حدّ من المساهمة الإجمالية للقطاع الصناعي في النمو، رغم التحسن المسجل في بعض مكوناته.
ومن زاوية مكونات الطلب، تكشف النتائج بوضوح الدور الذي لعبه الطلب الداخلي في دفع النمو. فقد ارتفع حجم الطلب الداخلي بنسبة 3,3% على أساس سنوي، وساهم إيجابياً بـ3,61% في النمو الإجمالي. غير أن هذه المساهمة الإيجابية قابلتها مساهمة سلبية لصافي المبادلات الخارجية بلغت 1,33 %. وبذلك، فإن النمو المسجل عند 2,3% كان يمكن أن يكون أقوى لولا الأثر السلبي للمبادلات الخارجية. و هذا الضغط الخارجي لم ينتج عن تراجع الصادرات، بل عن نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات من حيث الحجم. فقد ارتفع حجم صادرات السلع والخدمات بنسبة 10,4% مقارنة بالثلاثي الثاني من سنة 2025، بما يعكس تحسناً مهما في الطلب الخارجي على المنتجات والخدمات التونسية. غير أن حجم الواردات ارتفع في المقابل بنسبة 11,2%، الأمر الذي جعل صافي المبادلات الخارجية يسهم سلبا في النمو.
وتحسن الصادرات لم يكن كافياً لتحويل المبادلات الخارجية إلى محرك صافٍ للنمو و ارتفاع الواردات يمكن أن يرتبط، من جهة، بتوسع الطلب الداخلي، سواء الاستهلاك أو الاستثمار، بما يعني أن جزءاً من هذا الطلب يتم تلبيته عبر المنتجات والخدمات المستوردة. ومن جهة أخرى، يطرح ذلك تحديا يتعلق بقدرة الإنتاج المحلي على مواكبة توسع الطلب وتحويله إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.
فالطلب الداخلي القوي أسهم في دفع النشاط الاقتصادي، لكنه ترافق أيضاً مع ارتفاع الطلب على الواردات، ما قلّص من الأثر الإيجابي لتحسن الصادرات على الناتج المحلي. لذلك، لا يتعلق التحدي فقط برفع الصادرات، وإنما أيضاً بزيادة قدرتها على توليد قيمة مضافة محلية، وتعزيز قدرة الإنتاج المحلي على تلبية جانب أكبر من الطلب الداخلي عندما تكون الإمكانات الإنتاجية متاحة.
وتؤكد معطيات التجارة الخارجية خلال النصف الأول من السنة هذا الاتجاه. فقد بلغت قيمة الصادرات، بالأسعار الجارية، حوالي 34,6 مليار دينار، مقابل 47,2 مليار دينار للواردات. ورغم ارتفاع الصادرات مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ظلت الواردات أعلى بكثير، بما يعكس استمرار العجز التجاري.
وهكذا، يتغذى الاقتصاد التونسي خلال الثلاثي الثاني من قوة الطلب الداخلي وتحسن أداء عدد من القطاعات، في مقابل مساهمة سلبية للمبادلات الخارجية في الناتج. ويطرح هذا الوضع سؤالاً أساسياً حول قدرة الاقتصاد على الاستفادة بصورة أكبر من تحسن الطلب الخارجي، وتحويل نمو الصادرات إلى مكسب صافٍ للنمو.
فاستدامة النمو لا ترتبط فقط بارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي، وإنما كذلك بقدرته على توليد قيمة مضافة أكبر داخل الاقتصاد، سواء من خلال تطوير الإنتاج المحلي الموجه إلى السوق الداخلية أو تعزيز تنافسية المنتجات والخدمات الموجهة إلى الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق توازن أفضل بين قوة الطلب الداخلي وأداء المبادلات الخارجية، حتى لا يتحول جزء من أثر النمو إلى طلب إضافي على الواردات.