تراجع التضخم واستمرار ارتفاع الأسعار انتقال الضغوط التضخمية إلى معظم المجموعات يؤجل تعافي المقدرة الشرائية للأسر

يذهب اغلب الظن عند تأكيد تراجع نسبة التضخم إلى 5.3% خلال شهر
جوان 2026 بأن الضغوط التي تعيشها الأسر التونسية بدأت تنحسر، إلا أن هذا الانخفاض لم يترجم بعد إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية. فالتضخم يقيس نسق ارتفاع الأسعار، وليس مستوى الأسعار في حد ذاته وهو ما يعني أن الأسعار ما تزال مرتفعة، لكنها ترتفع بوتيرة أقل من السابق. تبقى الأسعار، بالنسبة للمستهلك، المؤشر الحقيقي لقياس تحسن مستوى العيش. فحتى مع تراجع نسق التضخم، تواصل أسعار عدد من المواد الأساسية تسجيل زيادات سنوية مستمرة، وهو ما يحافظ على الضغط نفسه تقريبًا على ميزانية الأسر. وتؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 7.1% مقارنة بجوان 2025. والملاحظ أن هذا الارتفاع شمل منتجات يصعب الاستغناء عنها في قفة التونسي، فقد ارتفعت أسعار لحم الضأن بنسبة 18.3%، ولحم البقر بنسبة 13.6%، والدواجن بنسبة 13.5%، والأسماك الطازجة بنسبة 11.7%، والغلال الطازجة بنسبة 11%. وهي زيادات تمس مباشرة السلة الغذائية للأسر، وتجعل المحافظة على المستوى نفسه من الاستهلاك أكثر كلفة من العام الماضي. ورغم تراجع أسعار بعض المنتجات، مثل الزيوت الغذائية والبيض، فإن أثرها بقي محدودا أمام الارتفاعات المسجلة في بقية المواد الغذائية الأساسية، وهو ما يفسر استمرار شعور المستهلك بأن الأسعار لا تزال مرتفعة رغم انخفاض معدل التضخم. ولا تتوقف الضغوط عند الغذاء، إذ امتدت إلى نفقات أخرى فقد ارتفعت أسعار الملابس والأحذية بنسبة 9.2%، كما ارتفعت أسعار مواد التنظيف بنسبة 4.7%، وهي مواد أساسية في إنفاق الأسر. أما قطاع الخدمات فقد سجل ارتفاعا بنسبة 4.3%، بما في ذلك خدمات النزل التي ارتفعت بنسبة 15.4%، يعني انتقال الضغوط التضخمية إلى مختلف مكونات الإنفاق الاستهلاكي. وتظهر بيانات شهر جوان أن الأسعار واصلت الارتفاع مقارنة بالشهر السابق، إذ سجل مؤشر أسعار الاستهلاك زيادة شهرية بنسبة 0.2%. صحيح أن أسعار المواد الغذائية تراجعت بنسبة 0.9% خلال شهر واحد، لكن ذلك قابله ارتفاع في أسعار الملابس والأحذية بنسبة 1.7%، إلى جانب زيادة أسعار المطاعم والمقاهي والنزل بنسبة 1%. وهذا يعني أن أي تراجع في أسعار بعض المنتجات سرعان ما تم امتصاصه بارتفاع أسعار سلع وخدمات أخرى. وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء عن أن المواد المصنعة والخدمات أصبحت المحرك الأساسي لاستمرار الضغوط السعرية، في حين تظل المواد الحرة، وخاصة الغذائية منها، صاحبة المساهمة الأكبر في التضخم، وهو ما يجعل الأسر أكثر عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق. كما يبرز ارتفاع التضخم الضمني إلى 4.9% أن الضغوط التضخمية لم تعد مرتبطة فقط بالغذاء والطاقة، بل أصبحت تشمل عددًا متزايدًا من السلع والخدمات، وهو ما يعني أن تراجع التضخم العام لا يعكس بالضرورة تراجعا في كلفة المعيشة. وتظل القدرة الشرائية مرتبطة أساسا بالعلاقة بين تطور الأسعار وتطور الدخل الحقيقي. فإذا كانت الأسعار تواصل الارتفاع، حتى وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ، في حين لا ترتفع الأجور والمداخيل بالنسق نفسه، فإن الأسر ستجد نفسها مضطرة إلى تعديل سلوكها عند الاستهلاك خاصة وان الارتفاع أصبح السمة الغالبة على مجمل مكونات سلة الإنفاق. إن انخفاض التضخم يمثل تطورا إيجابيا على مستوى استقرار الاقتصاد الكلي، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الأسر التونسية استعادت قدرتها الشرائية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115