في اليوم العربي للمسرح 2027: سيناريو متخيل لرسالة توفيق الجبالي
- بقلم ليلى بورقعة
- 15:17 10/07/2026
كثيرا تأتي الرسائل من أصحاب اليقين. أما كلام وسلام توفيق الجبالي
فيأتي من جهة الأسئلة، من مذهب الحيرة، من ركح الاستفزاز .وقد أعلنت الهيئة العربية للمسرح اختياره لكتابة رسالة اليوم العربي للمسرح لعام 2027، تشوّق المسرح وأهله ومريدوه إلى ما عساه أن يقول هذا المسرحي الذي لم يتوقف يوما عن المشاكسة، إلى هذا المخرج الذي قضى عمره وهو يزيح الكراسي المريحة من طريق الأفكار، إلى هذا الفنان الذي طالما ركل الأبواب الموصدة بدل أن يطرقها...
سيكون المشهد مختلفا بالتأكيد ..فالرجل الذي كتب يوما "لست المسرحي المناسب" سيجد نفسه في قلب المناسبة !
تكتب تونس للمرة الثانية رسالة اليوم العربي للمسرح. ولأنّ الأرقام وحدها لا تصنع المجد والتواريخ وحدها لا تروي الحكايات، فإنّ المهم هو أن تعود تونس إلى المنصة نفسها بصوت مختلف، أكثر قلقا، أكثر شراسة، وأكثر انحيازا للأسئلة.
بعد عز الدين المدني، يعود الدور إلى توفيق الجبالي. وكأنّ المسرح العربي، وهو يفتش عن كلمته السنوية، عاد مرة أخرى إلى تونس ليختار صوتا لا يجيد المديح بقدر ما يجيد الشك، ولا يؤمن بالأجوبة النهائية بقدر إيمانه بحق الإنسان في الحيرة... في المغامرة.
من الصعب تخيّل توفيق الجبالي وهو يكتب رسالة احتفالية تقليدية. ذلك لا يشبهه.
فالجبالي الذي قضى عمره يزعج السائد، ويشاكس اليقين، ويقف دائما على مسافة من المؤسسات والأفكار الجاهزة، لن يكتب ـ على الأرجح ـ خطابا عن أمجاد المسارح العربية ولا عن انتصاراته الوهمية ولا عن الإنسان المهزوم الذي يزداد اغترابا كلما ازدادت الشاشات حوله وتناسلت الفضائيات .
قد يقول لنا إنّ المسرح لم يُخلق ليُريح العالم، بل ليوقظه. ماذا لو كتب الجبالي رسالته إلى الخائفين؟ إلى الحالمين؟ إلى الساخرين من كل شيء؟
هو قالها وأكدها في كتابه : "لست المسرحي المناسب".
في مساء شتوي، وتحديدا يوم 10 جانفي 2027، سيصعد توفيق الجبالي إلى المنصة. لن يصعد لاستلام وسام أو درع تكريم ... ولا ليُضيف اسمه إلى قائمة المتوّجين. سيصعد كما اعتلى دائما الخشبة بكثير من الثقة... وبشيء من السخرية.
فماذا لو تخيلنا ماذا سيقول؟
ربما سيتقدم نحو المنبر والمصدح ...ينظر إلى الوجوه. يلقي نظرة على المسرحيين والضيوف العرب القادمين من الجهات الأربع. يحدق في الفضاء... وكل العيون تتطلع إليه في ترقب لماذا سيقول المسرحي المشاكس، المسرحي المغامر والمقامر بكل القوالب الجاهزة.
ربما سيبتسم تلك الابتسامة التي لا يعرف أحد إن كانت ابتسامة ترحيب أم اعتراض.
ويقول: "مساء الخير... أو مساء المسرح... إن بقي للمسرح مساء."
يصمت قليلا. ثم قد يضيف:
"حين كتبتُ قبل سنوات: لست المسرحي المناسب، كنت أظن أنني أهرب من التصنيفات. لكن يبدو أن التصنيفات لا تترك أحد يهرب.
ها أنا اليوم أقف أمامكم لأنني ربما كنت، طوال حياتي، المسرحي غير المناسب. غير المناسب للسلطات..غير المناسب للوصايا.. غير المناسب للحقائق الجاهزة.. غير المناسب للأقفاص حتى لو كانت ذهبية .
ربما سيحدث الناس عن شجاعة تحدي الخوف. الخوف الذي يسكن الممثل قبل دخوله الخشبة، الخوف الذي يسكن الكاتب أمام الصفحة البيضاء، الخوف الذي يسكن المخرج كلما قرر أن يقول ما يراه لا ما يُطلب منه أن يراه.
ثم يرفع رأسه نحو القاعة، ويقول: أخطر ما أصاب المسرح العربي ليس شح الموارد، ولا عزوف الجمهور... أخطر ما أصابه هو الاعتياد، اعتياد التكرار ، اعتياد الرداءة، اعتياد الصمت.."
ربما سيحدث الجمهور عن المقاعد الفارغة التي لا تخيفه، فالقاعات المكتظة ليست دائما علامة صحية . والاستبداد كان دائما يجمع الحشود. أما المسرح فيخاطب الإنسان.
ربما سيحدثهم عن تونس بوصفها سؤالا وحلما وركحا مفتوحا .. ربما سيقول إنّ تونس التي عرفها ليست تلك الموجودة على الخريطة، إنما تلك التي تسكن المقاهي والشوارع والكواليس وأحلام الفنانين وحتى كوابيسهم... تونس التي هي أجمل في اسمها مما هي عليه في واقعها.
ربما سيعود للحديث عن الإنسان..كما يعود النهر إلى البحر. ربما سيقول إن المسرح ليس دفاعا عن النص، ولا عن الإخراج، ولا عن المدارس الفنية... المسرح دفاع عن الإنسان، عن هذا الكائن المدهش الذي يسقط كل يوم ويجد سببا جديدا للنهوض ودفع الصخرة نحو الأعلى مثل "سيزيف" ولا يمل، عن هذا الجسد الملهم الذي يسرق نار " بروميثيوس" لينير العتمة ويضئ دروب البشرية.
ربما عندما يقترب من نهاية كلمته، يترك الورقة جانبا وينظر إلى القاعة مباشرة. ويقول: "لا أعرف إن كان المسرح سيغيّر العالم. لم أصدّق ذلك يوما. لكنني أعرف شيئا واحدا: دون المسرح... سيصبح العالم أكثر برودة وأكثر صمتا...أكثر وحشية وأقل إنسانية." ثم يتراجع خطوة. ويغادر المنصة تحت وابل من التصفيق.
وفي الأثناء تبقى جملة واحدة عالقة في الأذهان : ربما لم يكن توفيق الجبالي يوما "المسرحي المناسب".. ومن أجل هذا ظل مسرحيا خارج السرب لا يشبه أحدا... ولن يشبهه أحد!
آخر مقالات ليلى بورقعة
- من إخراج رضوان الهنودي: «يمة سامحيني» مرثية البرّ والعصيان... و"العقوق الثقافي"
- من تنظيم مخبر "نحو الخطاب وبلاغة التداول" بكلية الآداب بمنوبة: "من عالم الحس إلى عالم اللغة: التقاطع والحدود"
- فاز بجائزة البابطين للإبداع الشعري: محمد صالح البوعمراني يكتب تتويج تونس بالحبر النقدي
- في القائمة القصيرة لـ "جائزة الإبداع الروائي العربي": العجمي بن بوبكر يُبحر بالسرد في صحراء المفارقات
- «هجرة الشمس» جديد أدونيس: "الحرب وحش يلتهم الكون!"