الصادرات النفطية لاتغطي سوى 18% من قيمة الواردات: فاتورة الطاقة تتجاوز واردات الحبوب والأدوية ومواد كيميائية مجتمعة

تكشف بيانات التجارة الخارجية التونسية خلال الأشهر الخمسة

الأولى من سنة 2026 عن تواصل تسجيل فاتورة الطاقة مستويات قياسية تجعلها العامل الأساسي في تعميق العجز التجاري واستنزاف احتياطات النقد الأجنبي.
تبرز بيانات المعهد الوطني للإحصاء تأكد الصدمة النفطية، فقد بلغت قيمة واردات النفط ومشتقاته نحو 7.4 مليار دينار بين جانفي وماي 2026، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 34.3 % مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025. ويعد هذا المستوى الأعلى خلال السنوات الأخيرة، متجاوزاً ما تنفقه البلاد على العديد من المواد الأساسية والاستراتيجية مجتمعة على غرار الحبوب والادوية والمواد الكيميائية.
ولا يرتبط هذا الارتفاع فقط بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية، بل يعكس أيضاً زيادة فعلية في اوزان الكميات المستوردة، إذ ارتفع حجم الواردات النفطية بالوزن بنسبة 27 %. ويشير ذلك إلى تنامي الطلب المحلي على الطاقة من جهة، وإلى استمرار تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات من جهة أخرى، وهو ما يزيد من تبعية الاقتصاد التونسي للأسواق الخارجية.
ورغم ارتفاع الصادرات النفطية بنسبة 37.6 % لتبلغ 1.37 مليار دينار، فإنها لم تتمكن إلا من تغطية نحو 18% من قيمة الواردات، ليصل العجز الطاقي إلى قرابة 6 مليارات دينار، وهو مستوى يتجاوز ما تم تسجيله خلال سنة 2024.
وتأتي هذه التطورات في سياق دولي يتسم باضطرابات جيوسياسية متزايدة. فالتوترات المستمرة في الشرق الأوسط، وتصاعد المخاطر الأمنية في الممرات البحرية الحيوية، إضافة إلى استمرار الحرب في أوكرانيا وما تسببت فيه من إعادة تشكيل لتدفقات الطاقة العالمية، كلها عوامل ساهمت في إبقاء الأسواق النفطية في حالة من عدم اليقين. ورغم تراجع الأسعار مقارنة بالذروة التي سجلتها خلال السنوات الماضية، فإن هشاشة التوازنات الجيوسياسية تجعل أي اضطراب جديد قادراً على دفع الأسعار نحو الارتفاع مجدداً.
وتبرز من هذه المعطيات تحديات رئيسية أمام الاقتصاد التونسي. أولها اتساع العجز الطاقي بوتيرة متسارعة، بما يهدد التوازنات الخارجية ويزيد الضغط على احتياطات العملة الصعبة. أما التحدي الثاني فيتمثل في تراجع الإنتاج الوطني للمحروقات، وهو ما يضاعف الارتهان للأسواق العالمية وتقلباتها. فيما يتعلق التحدي الثالث ببطء الانتقال الطاقي.
وتؤكد هذه المؤشرات أن معالجة العجز التجاري التونسي لا يمكن أن تتم عبر الإجراءات الظرفية أو التحكم في الواردات فحسب، بل تتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتشجيع الاستثمارات في قطاع الاستكشاف والإنتاج، بما يقلص من هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الجيوسياسية وأسعار النفط العالمية.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115