في مسلسل "غيبوبة": من سوق الفضائح على "الاستنغرام" إلى متاهة الملفات في "الكنام" ... من يوقظ إنسانياتنا؟

إنّ الدراما في جوهرها ليس مجرّد مساحة للترفيه أو إعادة إنتاج

لحكايات مألوفة بل هي أحد أشكال الوعي ومرآة نرى فيها وجوهنا وتناقضاتنا... وحتى حقيقتنا التي نحاول إنكارها. من هذا المنطلق، يبرز مسلسل "غيبوبة" على قناة "تلفزة تي في" بعد أن فتح في حلقته الأولى الباب على ظاهرتين معاصرتين، هما حديث الساعة ومصدر قلق المواطنين.

تعرّض مسلسل "غيبوبة" عن سيناريو لنوفل الورتاني وفادي عباس وإخراج محمد خليل البحري لظاهرة الاتجار بـ"فضائح" الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى معضلة تعقيدات حصول المرضى على العلاج في ظل بطء الإجراءات الإدارية صلب الصندوق الوطني للتأمين على المرض.

مشاكل الناس تجارة رقمية
في عصر الهواتف الذكية تحوّلت الخصوصيات إلى تجارة وسلعة. هنا وهناك، يتربص المتربصون بسقوط الآخرين خاصة إن كانت الضحايا من المشاهير أو الشخصيات العامة، فيحوّلون الأزمة إلى "محتوى"، ويستغلون انكسار الإنسان كفرصة لزيادة عدد المتابعين. بكبسة زر واحدة تقف ورائها أنفس خبيثة أو جائعة للشهرة والمال، قد تكفي دقيقة واحدة لتحاكم الناس في محكمة بلا قاضٍ ولا قانون، فقط جمهور فضولي للفرجة يطلق الأحكام ويجلد "الفريسة"ويفتي في ما يجوز ولا يجوز! وبقدرة قادر، يتحوّل المجتمع إلى واعظ ومصلح يضغط زر المشاركة ويسلط كل القسوة على من أوقعه سوء حظه في شِباك وسائل التواصل الاجتماعي.
تكمن قوة النقد في "غيبوبة" في أنّ المسلسل لا يكتفي بإدانة "المؤثرين والمؤثرات" من سماسرة خصوصيات الناس أو تشخيص الأثر النفسي المدمر على الضحايا، بل يطرح سؤالا أعمق: لماذا أصبح المجتمع نفسه شريكا في هذا العنف الرمزي؟
تأخر الدواء يقتل أمل الشفاء
على ضفة أخرى، يفتح مسلسل "غيبوبة" جرحا عميقا ومتواصل النزيف في تونس. إنه المرض الذي يجعل الإنسان هشّا وضعيفا وخائفا من الموت. فماذا لو كان هذا المريض طفلا لا حول له ولا قوة؟ حين يتأخر الدواء أو الموافقة على إجراء صحي بسبب التعقيدات الإدارية في مؤسسات مثل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، يصبح الانتظار نوعا من الألم الموازي للمرض نفسه.
لقد لامس المسلسل - من خلال مشهد الجدة التي أدت دورها الفنانة القديرة منى نورالدين وبرفقتها حفيدتها اليتيمة والمريضة- حقيقة موجعة عاشها الكثير من المواطنين في إعداد الأوراق أو الانتظار في الطوابير أو السؤال مرارا وتكرارا عن موعد الموافقة … إنها متاهة قد تبتلع المريض حتى قبل أن يحصل على حقه في العلاج الذي يكفله الدستور. ليبقى السؤال النازف كالجرح معلقا: لماذا يصبح الحق في العلاج رهين الحظ أو العلاقات أو القدرة المالية؟
بين الظاهرتين، تتجلى لحظة إنسانية مشتركة تتمثل في الإحساس بالعجز. فضحية "الفضيحة" عاجزة أمام انتشار حكايتها على وسائل التواصل الاجتماعي، والمريض عاجز أمام تأخر القرار الإداري. في الحالتين، الإنسان يشعر أنه فقد السيطرة على مصيره، وأن حياته أصبحت في يد قوى أكبر منه، جمهور مجهول قاس أو نظام بيروقراطي بطئ.
كما يضع مسلسل "غيبوبة" المتفرج أمام مسؤوليته الأخلاقية. فهل هو مجرد ضحية لمنظومة خاطئة، أم هو شريك فيها عن قصد أو عن غير قصد ؟ إنّ الدراما هنا تتحول إلى اختبار للإنسانية، وتنبيه بأنّ غيبوبة الضمير أخطر من غيبوبة الجسد.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115