التعبير وبناء الشخصية وتربية الناشئة على النقد وملكة الإبداع... غير أنّ هذا الموقع التربوي العميق للمسرح داخل المدرسة يبدو اليوم محل سؤال وجدال بعد قرارات تنظيمية صادرة مؤخرا عن وزارة التربية أثارت الاعتراض والاحتجاج...
حمل بيان الجمعية التونسية لمدرّسي التربية المسرحية موقفا تربويا وثقافيا واضحا من تحوّل تعتبره الأسرة المختصة مساسا بجوهر تجربة تراكمت عبر سنوات داخل المدرسة التونسية.
لا للمساس بالملتقى الوطني للمسرح المدرسي
في بيان يعلن صراحة الاستنكار والمقاطعة نتيجة ما وُصف بقرار أُحادي غيّر معالم نشاط وطني، ندّد أساتذة التربية المسرحية بالجمهورية التونسية بما أقدمت عليه الإدارة العامة للمرحلة الإعدادية والتعليم الثانوي بوزارة التربية، ممثلة في إدارة الحياة المدرسية، من "نسف لمجهودات أجيال متعاقبة في تأسيس الملتقى الوطني للمسرح المدرسي والذي كان منارة تونسية اهتدت بها الدول الشقيقة، لتستبدله بما سمي "القرية الوطنية للإبداعات الفنية والأدبية التلمذية".
واعتبر البيان أن هذه "التسمية الفضفاضة خاوية وبعيدة عن الأهداف البيداغوجية والتربوية التي يتطلع لها المسرح المدرسي".
26 مندوبية جهوية مقابل 5 عروض فقط !
منذ بدايته، يضع البيان المسألة في إطارها الصحيح: "لسنا أمام تعديل شكلي، بل أمام استبدال جوهري يمس من عراقة وأهمية الملتقى الوطني للمسرح المدرسي". ويُذكّر البيان بأن الملتقى الوطني لم يكن حدثا عابرا، بل تتويجا لمسار طويل من العمل داخل المؤسسات التربوية، شاركت فيه أجيال من الأساتذة والتلاميذ، وأسّس لتقليد وطني في المسرح المدرسي. واعتبر المحتجون من أساتذة المسرح أنّ هذا القرار الجديد يقطع مع هذا التراكم، وليس تطويرا له. فالمشكل، كما يصوغه أصحاب البيان، لا يتعلق برفض التغيير من حيث المبدأ، بل برفض تغيير يُفرغ التجربة من فلسفتها التربوية.
أحد أبرز عناصر الاعتراض الواردة في البيان هو التقليص الحاد في المشاركة المسرحية. فالصيغة الجديدة، وفق ما جاء في النص، تقتصر على خمسة عروض مسرحية فقط من مجموع 26 مندوبية جهوية. هذا المعطى الرقمي لا يُذكر بوصفه تفصيلا تنظيميا، بل كدليل على انتقال النشاط من منطق الإتاحة الواسعة إلى منطق الانتقاء الضيق.
قرار أحادي يستوجب المراجعة
يربط البيان هذا التقليص بنتيجة تربوية مباشرة تتمثل إقصاء عدد كبير من التلاميذ من فرصة المشاركة الوطنية التي كانوا يشتغلون من أجلها طوال السنة الدراسية. وهنا ينتقل الخطاب من مستوى الدفاع عن نشاط إلى الدفاع عن حق التلميذ في الظهور والتعبير، باعتبار أن المسرح المدرسي كان، في صيغته السابقة، أفقا سنويا واضحا للعمل داخل النوادي والمؤسسات.
انطلاقا من كل هذه المعطيات، أعلن البيان موقفا عمليا يتمثل في مقاطعة التظاهرة الجديدة بصيغتها الحالية في نداء إلى وزير التربية من أجل التدخل لتصويب المسار، والحفاظ على الملتقى الوطني للمسرح المدرسي، مع إمكانية تطويره بدل إلغائه أو تذويبه.
في العمق، يكشف البيان عن سؤال يتجاوز الأزمة الظرفية ليتساءل عن موقع الفنون، والمسرح تحديدا، داخل المشروع التربوي؟