كتاب الباحث في علم الاجتماع والأستاذ في الجامعة التونسية د. مولدي القسومي . هذا الباحث والأكاديمي والمفكر الذي اشتغل طويلا على قراءة وتحليل المجتمع التونسي ما بعد الثورة في كل تحدياته . وفي كتابه الجديد " الانتقال المجتمعي المعطل... قراءة في نواظم الاجتماع السياسي المتلفة " الصادر عن دار الكتاب في تونس، يحاول القسّومي أن يعرض لقرائه وجمهوره حقيقة وواقع المجتمع التونسي اليوم ولماذا تعثّر في انتقاله الديمقراطي . وتعد هذه الفعالية التي أقيمت بالشراكة مع منظمة " صحفيون من أجل حقوق الانسان" محطة هامة في مسيرة طويلة من الفكر والتأمل اللازم لفك أسرار ونواقص كل التجارب التي عاشها التونسيون ما بعد الثورة سواء اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا .
أين هو المشروع المجتمعي المتماسك؟
يُعدّ هذا الكتاب قراءةً أساسيةً ودعوةً للعمل لكلّ من يرغب في فهم مستقبل تونس والمساهمة في تشكيله. ويؤكد القسّومي خلال هذا الكتاب بأن الانتقال إلى مجتمع ديمقراطي تشاركي بالكامل لا يمكن أن يكتمل دون إدراك عقباته، وظهور طبقة سياسية حقيقية قادرة على الحوار مع المجتمع.
اذ يقدم هذا الكتاب تحليلاً معمقاً وهاما للعقبات الاجتماعية والسياسية التي حالت دون تحويل المجتمع التونسي " مكاسب الثورة" إلى مشروع مجتمعي مستدام ومتماسك. يسعى القسومي الى استكشاف الأنظمة الاجتماعية والسياسية الهشّة، والهياكل التاريخية والمؤسسية التي تُثقل كاهل المجتمع وتُعيق قدرته على التطور.
يحاول الكاتب الإجابة عن سؤال محوري وهو لماذا لم يكتمل التحول او الانتقال السياسي والاجتماعي في تونس رغم الحريات التي تحققت ومكاسب الثورة؟
ويرى القسّومي بان أسباب التعطيل لا تكمن فقط في الأزمات الاقتصادية أو الصراعات المؤقتة، بل في آليات متجذرة حالت دون ترسيخ مشروع جماعي قادر على توحيد المواطنين والدولة.
نحو فهم أعمق للمجتمع
ويؤكد القسّومي بأن تعثر التحول المجتمعي ليس مجرد تشخيص لنقاط ضعف تونس ما بعد الثورة، بل هو دعوة لإعادة النظر في المجتمع برمته. اذ لا يقتصر التحول على اكتساب الحريات الشكلية فحسب، بل يعتمد على كفاءة المؤسسات، والتزام المثقفين، ومشاركة المواطنين، والقيادة الرشيدة. ويقترح الكاتب في تحليله لفهم آلية عمل المجتمع: المحرك، والآلية، والغاية. يرمز المحرك إلى القيادة والقدرة على التوجيه السياسي؛ وتجسد الآلية المجتمع ومؤسساته وفاعليه وديناميكياته الجماعية؛ أما الغاية فتمثل المشروع المشترك، والهدف الأسمى الذي يسعى المجتمع لتحقيقه.
تسلط هذه الاستعارة الضوء على مبدأ أساسي ، فدون تفاعل متناغم بين هذه العناصر الثلاثة، يبقى التحول ناقصاً، ويضل المجتمع طريقه، ويبقى التغيير سطحياً. قد يفتقر القائد إلى الرؤية، وقد تُشلّ الآلية بتناقضاتها الداخلية، وقد تبقى الوجهة غير محددة أو بعيدة المنال. لذا، فإن التماسك بين القيادة والعمل الجماعي والمشروع المشترك هو ما يسمح للمجتمع بالتحول الحقيقي.
تجارب مقارنة
يتطرق القسومي الى تجارب أخرى عاشت ثورات ، ولعل اهمها الثورة الفرنسية . ويُبين كيف أن هذه الحركات، بدلًا من تدمير الطبقات الاجتماعية، أعادت تنظيم المجتمع وأدخلت أشكالًا جديدة من المشاركة. ووفقًا له، فإن الثورات الناجحة غالبًا ما تكون تلك التي تجمع بين الإصلاحات التدريجية والتسويات الاجتماعية، بدلًا من الانشقاقات العنيفة. ويُظهر المثال الأوروبي أن الحداثة يُمكن أن تتعايش مع احترام الأديان القائمة، كما هو الحال في ألمانيا حيث يتعايش البروتستانت والكاثوليك في ظل دولة علمانية، مما يُوضح أن الديمقراطية والتماسك الاجتماعي يعتمدان على ذكاء المؤسسات بقدر اعتمادهما على مشاركة المواطنين.
عزوف النخب والمثقفين
يتناول أحد المحاور الرئيسية للكتاب غياب طبقة سياسية حقيقية في تونس. يذكّرنا القسّومي بأن الطبقة السياسية لا يمكن أن توجد دون نظيرتها: طبقة معارضة منظمة قادرة على ممارسة سلطة مضادة والحفاظ على التوازن في النقاش الديمقراطي. إلا أن هذه الازدواجية تكاد تكون معدومة. فغالباً ما يواجه السياسيون في السلطة عقبات قليلة أمام قراراتهم، وهذا النقص في التنظيم يُضعف بشكل كبير عملية الانتقال وترسيخ المشروع الوطني.
كما يحلل الكاتب عزوف المثقفين. ففي تونس ما بعد الثورة، لا تزال أقلية منهم فقط تكتب وتتأمل وتشارك في النقاش العام. أما الأغلبية، فتنسحب طوعاً أو اضطراراً، لأسباب عديدة. هذا الوضع يفسر جزئياً ضعف مشاركة المواطنين وغياب ديناميكية نقدية حقيقية قادرة على توجيه الخيارات الجماعية.
ويرى الكاتب أن هذا العزوف إشكالي لأنه يحرم المجتمع من قوة قادرة على تحويل المكاسب الثورية إلى مشاريع ملموسة ومستدامة.
كما يتناول المؤلف النماذج المعيارية والأشكال الأنثروبولوجية التي تُشكّل بنية المجتمع. فكل مجتمع يبني معاييره الخاصة لتوحيد بنيته وحل مشكلاته الداخلية. وتستند هذه النماذج إلى ثلاثة أبعاد أساسية: الطبقات الاجتماعية، التي تُنظّم التسلسل الهرمي الاقتصادي والسياسي،والأطر الثقافية، التي تُضفي معنىً على التفاعلات وتضمن الذاكرة الجماعية، وإعادة إنتاج البنى التاريخية، التي تسمح باستمرارية العلاقات الاجتماعية أو تحوّلها التدريجي.
عند فهم هذه العناصر الثلاثة وتحليلها، يُمكن قياس العقبات المتراكمة وتحديد آليات إعادة إطلاق عملية انتقال مجتمعي غير مكتملة.
في ندوة تقديم كتاب المولدي قسّومي "الانتقال المجتمعي المعطل" ...الأبعاد والتحديات
استضافت قاعة ريو، السبت الماضي ندوة فكرية لتقديم
آخر مقالات روعة قاسم
- أستاذ العلوم الجيوسياسية والقانون العام عدنان الإمام لـ" المغرب ": الحالة الفنزويلية هي نقطة تحول عميقة تنسف المنظومة الدولية الراهنة
- للحديث بقية من فنزويلا الى غرينلاند ...ترامب وحروب الطاقة والموارد
- للحديث بقية ترامب وفنزويلا بين قوة السياسة وسياسة القوة
- في إطار توأمة بين منتدى الفينيق وبيت الشعر " قصائد لعيون قرطاج"...لقاء التاريخ والشعر والإبداع
- للحديث بقية هل لبنان بمنأى عن الحرب الأهلية؟
Leave a comment
Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.