برج بابل: الهجرة غير النظامية: سفرٌ بمذاق الملح

الطقس مناسب لعبور البحر، وشبكات التهريب تشتغل بأقصى طاقاتها وحرس السواحل يراقب ما أمكن له ذلك. لم تعد الرحلة نحو الضفة الشمالية للمتوسط سرية بالمعنى الكامل.

صورٌ وتسجيلات مباشرة توثق للمغامرة عند الإقلاع وعند الوصول وأثناء الرحلة. تكشف التسجيلات عن تحدّ كبير للمأساة ولتفاصيل المنع وتكشف أيضا الرغبة في الاحتفال بالخلاص من وضع مرير. قد يُبقي هذا الشاب تفاصيل رحلته ليريها بعد ذلك لأبنائه، يصنع بها ذاكرته ويقول في النهاية أن لا سرية في العملية، هو حقه الكامل في التنقل من بلد إلى آخر رغم الحواجز الموضوعة أمامه.

الهجرة غير النظامية حالة ديناميكية، ظاهرة متحولة في الشكل وفي المضمون. في بداياتها الأولى كانت مرعبة، نقص في التجربة، خوف من البحر وكانت سرية بالكامل. لا تضمّ التجربة سوى البالغين من الذكور برفض عائلي لا غبار عليه. ولكن بمرور السنوات تأنثت الظاهرة وأصبحت القوارب محملة لعدد قليل من الفتيات، من إفريقيا وراء الصحراء ثم تونسيات. ومنذ فترة قصيرة عرفت الظاهرة انضمام القاصرين ثم التحقت العائلات.

ولكن في السنة الأخيرة برز طريق آخر هو طريق تطاوين صربيا ثم فرنسا. طريق جوي وبرّي في نفس الوقت يقع على مراحل أطول ومكلف أكثر وبأقل مخاطر بحرية. ولكنه في كل الأحوال طريق لا ملح فيه. في دراسات جادة ورد أن ما يقرب من 12 ألف شاب غادروا تطاوين في السنة الحالية ومؤشر ذلك فراغ شاحب في المدينة ومقاهيها، وفريق كرة القدم في المدينة يلعب أمام أقل من 500 متفرج بعد أن كان الملعب مكتظا بمرتاديه. ومع هذا خسرت حالة الكامور كل الطاقة الحيوية للمحتجين. تنفست شركات النفط والشركات المرتبطة بها الصعداء. وتخلصت الدولة من عبء شباب يريد التنمية، ولعلها تقول في قرارة نفسها ربّ طريق - تطاوين صربيا – نافع. هل في الأمر تواطؤ؟ فرضية جدية تحتاج التثبت.

كلّ تحول في الظاهرة من حيث ارتفاع عدد المهاجرين غير النظاميين وتنوع فاعليها هو مؤشر على انسداد الآفاق. الكل يريد أن يهاجر القاصرون أولا والعائلات ثانيا. والمشروع الهجروي هو مشروع يحتاج إلى قدر كبير من الضمانات. الكلّ يعلم أن القاصرين لا يقع ترحيلهم إلى بلدانهم، القوانين الأوروبية تمنع ذلك. يجد القاصرون رعاية اجتماعية وتربوية من أجل إعادة التأهيل والإدماج. تنظمّ العائلة لتستفيد من هذا الإجراء وتضمن حضورا دائما بأقل تكلفة ممكنة. ما يلاحظ أن مغامرة الهجرة غير النظامية لم تعد كما كان في السابق مغامرة محفوفة بالمخاطر. هناك تطبيع كبير مع الظاهرة ولذلك لا يتوانى هؤلاء في تصوير تفاصيلها بإيقاع موسيقى شعبية.

ليست الظروف الاقتصادية وحدها هي الدافع لخوض مغامرة الهجرة غير النظامية بمخاطرها الممكنة. هناك دوافع مرتبطة بنرجسية الفوارق الصغرى. وهي نرجسية يبنيها الشاب يوميا تحت وقع مجتمع مشهدي يعرض تفاصيل حياته عبر شبكات التواصل الاجتماعي. يشاهد الشاب أقرانه الذين نجحوا في مشروعهم الهجروي ويتساءل لماذا لا أكون مثلهم؟ ما الذي يمنعني من ذلك؟ لماذا لا أتصرّف مثلهم؟ أريد أن أعيش حياة مترفة، إذا سأغامر وسأرحل. لم يعد لي مكان في هذا البلد. وقد يشعر الشاب بالإهانة عندما يقارن نفسه بأقرانه وسيشعر بالضعف وبعدم القدرة على الإنجاز. المشروع الهجروي إذا هو مركز علاقة الفرد بذاته.

أوّل تحدّ هو بين الشاب ونفسه ، أي كيف يتجاوز هذا الشاب مخاوفه، وكيف يسيطر على مناطق اللايقين لديه، هو تحدّ ذاتي يقوده فعل المقارنة اليومية في تفاصيلها الصغرى ليصل في النهاية إلى قرار أنه قادر على الإنجاز وما عليه إلا ترتيب المسألة. هناك مهاجرون تنقذهم الشبكات العائلية فيجدون ضمانات أولية مناسبة وهناك من ليس لديه سوى قدراته التي يمكن أن تسعفه بإنجاح مشروعه الهجروي. إنها تجربة بمذاق الملح...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا