قراءة: الوصايا العشر في تفاصيل محمد كريشان أو ماذا يعني أن تكون صحفيّا؟

بقلم: لطفي حجي
تختزن تفاصيل الصحفي محمد كريشان التي نشرها في كتاب «وإليكم التفاصيل»، تقاطعا بين مسيرته المهنية كصحفي

عمل طوال أربعين سنة مع عدد من المؤسسات الإعلامية التونسية والعربية والدولية، وبين أحداث مفصلية عاشها العالم، والعالم العربي بالخصوص.
لا يعتبر كريشان كتابه مذكرات، ولا هو تأريخ للمراحل الإعلامية التي عاشها على امتداد مساره المهني، ولا هو كذلك تحليل لأحداث مفصلية واكبها، بل يصرّ على اعتبار الكتاب ذكريات رسخت بذهنه من أحداث واكبها، وشخصيات عاشرها، ومشاعر استبدت به أثناء لحظات مفصلية عاشها العالم العربي لا يمكن أن تترك الصحفي محايدا مهما تمسك بقواعد المهنة وتحكم في مشاعره.
بعد أن تنتهي من قراءة كتاب «وإليكم التفاصيل» يرتسم بذهنك سؤال أساسي، مفاده ماذا يعني أن تكون صحفيا؟ أي ما هي المعايير المهنية والقواعد الأخلاقية التي يجب أن تلتزم بها مهما تعددت المؤسسات الإعلامية التي عملت بها واختلفت خطوطها التحريرية.
ثمة خيط ناظم ربط مختلف مراحل التجربة منذ أن انطلق كريشان طالبا بمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بتونس في نهاية سبعينيات القرن الماضي إلى أن تجاوز به قطار العمر الستين، قضى ربع قرن منه بقناة الجزيرة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس منذ انطلاقتها.
هذا الخيط المنهجي يوثق رباط قواعد مهنيّة رأيتها تتكرر في طيّات الكتاب مهما كان الحدث الذي تناوله الكاتب تونسيا أو عربيا ودوليا.
1 - الحرية
اختار الطالب الشاب الذي تجاوز بالكاد العشرين من عمره أن يتوجه إلى مدير صحيفة الرأي المستقلة التي كانت ترمز إلى الحرية والتعدد والجرأة في تونس ضمن مشهد إعلامي تهيمن عليه سلطة مركزية قوامها الحزب الواحد والرأي الواحد.
وقد نجحت ثلاث أو أربع صحف حينها أولها صحيفة الرأي في كسر ذلك الحصار.
اختيار صحيفة الرأي دون غيرها من الصحف، يبرز إيمانا بحرية الإعلام تواصل معه في مختلف المؤسسات التي عمل بها كما يتجلى ذلك في اختيار المواضيع والمحاور وزوايا التناول، ومثلما تعكسها أيضا التجارب الحقوقية التي خاضها بالتوازي مع العمل الصحفي بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ولاحقا في اللجنة الدولية لحماية الصحفيبن.وإن كان لم يتطرق إلى التجربتين بالتفاصيل في كتابه.
2 - المخبرون وأخلاقيات المهنة
أن تتمّ «استضافة» تلميذ شاب في مكاتب أمن الدولة للتحقيق معه حول موقف عبّر عنه أثناء الدراسة أو رأي أبداه بالفصل، فبالتأكيد سيجعله يتساءل وهو الذي لم يخض تجربة سياسية، بل هو يتحسس معنى السياسة من خلال مطالعاته ومتابعاته لما يدور حوله، يتساءل قائلا : « هل يمكن أن يكون بيننا من يعمل مخبرا في هذا العمر؟ فجلّنا لم يتجاوز الثامنة عشرة أو بالكاد؟».
تجربة ستترك بالتأكيد بصمتها في ذاكرة صحفي لم يسلم من وشاية المخبرين، كذاك المخبر الذي وشى بنفسه حين اعترضه كريشان صدفة ولم يكن على معرفة مسبقة به وقال له دون مقدمات: « والله عظيم لا دخل لي في إيقاف برنامجك في الإذاعة التونسية، لست أنا من نقل كلامك في حفل السفارة الأمريكية» .
لكن ثمة مخبر آخر حرص على إنهاء تجربة كريشان كمراسل لجريدة عكاظ السعودية من تونس بدعوى أن «كريشان شخصية معارضة ووجودها يعتبر مسيئا لعلاقات تونس بالرياض» كما سأل رئيس تحرير الصحيفة هاشم عبد هاشم الذي زار تونس ليلتقي وزير الإعلام التونسي حينها عبد الرزاق الكافي بغاية التحقيق في هذه المسألة بعد أن وصلت الصحيفة رسالة بهذا المعنى من جهات رسمية سعودية في الرياض.
جهود المخبرين السريين سارت في نفس نهج المخبر العلني عبد العزيز الجريدي رئيس تحرير صحيفة الحدث التي اختصت في شتم الشخصيات المستقلة والحقوقية المعارضة في زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولم يسلم من سهامه المسمومة كريشان فقد خصّص له الجريدي جملة من المقالات جرّاء دوره في الجزيرة وكتاباته في صحيفة القدس العربي، كلها ثلب وشتم واتهامات بالعمالة والخيانة مع اختيار أقذر الألفاظ.
حملة منظمة دفعت كريشان إلى اللجوء إلى القضاء بعد الثورة التونسية وربح القضية.
3 - الحياد الصحفي والمشاعر الإنسانية
تقول القاعدة المهنية إن الصحفي محايد عندما يتعلق الأمر بنقل الخبر أو بقراءاته، فلا تأويل، ولا إضافة ولا تحوير في الخبر، هكذا تدرّس القاعدة الصحفية، بها يلتزم الصحفيون الذين يحترمون مهنتهم، غير أن الصحفي المهني المحايد يبقى إنسانا في النهاية يتفاعل مع الخبر فرحا وحزنا، وخاصة عند الأحداث الأليمة، ففي فصول مختلفة من الكتاب يبرز هذا الكم من المشاعر الذي لم يتجاوز المهنية بل قد يعطيها دفعة يحبّذها القارئ والسامع والمشاهد..
حرقة الصحفي بدأت مبكرا منذ سنة 1985 حين قصف الطيران الاسرائيلي مقر القيادة الفلسطينية بضاحية حمام الشط بتونس العاصمة. فحينها أعدّ الصحفي الشاب المختص في القضية الفلسطينية بصحيفة الرأي التونسية، ريبورتاجا عن المجزرة كتبه بجوارحه وتعاطفه مع القضية، بما ساهم في نفاد الصحيفة وإعادة طبعها ثانية لأول مرة في تاريخها.
لا يبرز بكاء الصحفي في كتاباته، لكنه قد ينجح بأسلوبه في إيصال شحنة من المشاعر للقارئ فينجح في شدّه والتأثير عليه بما يجعله يدرك ألم الصحفي، لكن الأمر في التلفزيون يختلف، فقد تفيض المشاعر فتغلبك دموعك وتسبقك على الشاشة، كما كان الأمر مع كريشان حين قرأ خبر استشهاد الزميل طارق أيوب في غارة امريكية على مبنى مكتب الجزيرة ببغداد أثناء الحرب الامريكية على العراق سنة الفين وثلاثة، أو أثناء وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي تربطه به علاقة وثيقة منذ استقرت القيادة الفلسطينية بتونس في ثمانييات القرن الماضي.
قد تدرك وأنت تقرأ الكتاب بكاء بالحروف على حال بغداد والعراق بعد الاحتلال الامريكي، فالشهر والنصف التي قضاها هناك إثر سقوط بغداد، والزيارات الاخرى الموالية للعراق كانت كافية لتوليد حرقة عميقة عن حال العراق، بتشريد علمائه وإهانة فنانيه، ومعاناة مواطنيه، بما فرضه الامريكان وقوى إقليمية أخرى استغلت الوضع ودخلت العراق بغاية الانتقام وتجسيد الأحقاد التاريخية.
4 - الجزيرة والوطن
كان تعامل نظام بن علي المخلوع، مع الجزيرة مفرطا في الانتقام منها، باعتماد مواجهتها باستمرار، ومنعها من العمل، فبعد محاولات لتقنين عملها، كان قرار المنع والتشهير الذي وصل حد قطع العلاقات الديبلوماسية مع قطر وإغلاق سفارة تونس بالدوحة.
خلال سرده لتاريخ العلاقة بين تونس والجزيرة بيّن كريشان الدور الذي قام به حتى تتمكن الجزيرة من القيام بعملها وفق خط القناة الذي يعرض الرأي والرأي الآخر ، مبادرات منها ما كان باجتهاد فردي، ومنها ما كان بتكليف رسمي من إدارة القناة الحريصة على أن تكون تونس حاضرة في تغطياتها شأنها شأن الدول الأخرى. غير أن جميع المحاولات فشلت لتعنّت السلطات التونسية وسعيها لفرض توجهها الإعلامي على الجزيرة.
لقاءات عديدة عقدها كريشان مع مسؤولي الإعلام بتونس لم تثمر أيّة نتيجة لإخلالهم بوعودهم.
رواية تفاصيل علاقة النظام التونسي بالجزيرة لم تخلُ من تداخل بين الذاتي والموضوعي في العمل الصحفي، فالصحفي الذي يشاهد على شاشة القناة التي يعمل بها تقارير وحوارات من بلدان عديدة بالعالم سيشعر بالغبن من منطلق وطني، قوامه أن يكون المشهد الإعلامي في بلاده نظير الإعلام في بلدان أخرى ليست أقل منها تمدنا أو ذكاء أو مهنية.
5 - الحقيقة و جرأة السؤال الصحفي
على امتداد صفحات الكتاب يتطرق كريشان إلى حوارات أجراها مع سياسيين من الصف الأول، رؤساء دول ، زعماء حركات تحرر، رؤساء أحزاب، اختلفت مسؤولياتهم ومشاربهم، كما اختلفت مواقيت المقابلات، لكن الثابت فيها هو الأداء الصحفي الذي يسعى إلى كشف الحقيقية، والحصول على معلومات غير مسبوقة تبعد المقابلة عن الرتابة والجفاف، وتكسوها روحا إعلامية تشدّ إليها المشاهدين أو المستمعين أو القراء، غير أن ذلك يتطلب أدوات مهنية قوامها المعرفة والجرأة، المعرفة الدقيقة بالشخصية المحاورة حتى لا يفلت من قبضة الصحفي بمعلومات غير صحيحة أو غير مطابقة مع مواقفه المعلنة، أما الجرأة فهي مرتبطة بطرح السؤال دون تواطؤ يحوّل المقابلة إلى مجرّد لقاء علاقات عامة،
قد تكون تجربة الجزيرة راكمت الجرأة في صحفييها فأدركوا أن الأسئلة يجب أن تطرح دون خوف، فليس من السهل أن تسأل بشار الأسد عن المعتقلين السياسيين في بلاده، أو أن تسأل ناجي صبري وزير خارجية العراق في أواخر عهد صدام حسين عن المعارضة السياسية ، أو أن تطلب من اردغان أن يختصر أجوبته وهو من تعود على أجوبته الطويلة التي تربك توقيت الحصة وتبعثر أسئلة الصحفي ومنهجيته في الحوار.
فكان كريشان يروي في كتابه تفاصيل حوارات مختلفة أجراها وكأنه يعرض قواعد المقابلة الناجحة بأسلوب سردي سلس بعيدا عن أي نزعة تعليمية.
6 - الصحفي وعلاقاته
لا يمكن لأي صحفي أن يبني مسيرة صحفية ناجحة دون شبكة علاقات واسعة تشكل مصادر أخباره، وتيسر عمله، ويفهم من خلالها التوازنات إن كان في مستوى وطنه أو على المستويين الإقليمي والدولي، وقد نجح كريشان الذي بدأ العمل الصحفي مبكّرا وهو طالب في سنّ العشرين، نجح في نسج شبكة علاقات مهّدت له أرضية عمله لاحقا، نجاح يعود جزء منه إلى حرصه ومثابرته وإصراره، في حين ارتبط الجزء الثاني بظروف موضوعية خدمته، بمجرد شروعه في العمل الصحفي كان نقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس إثر إمضاء الرئيس المصري انور السادات اتفاقية كام دايفد مع إسرائيل، ثم كان بعد سنتين من ذلك قدوم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس بعد خروجها من لبنان، فالحدثان كانا منبعا للأخبار وفرصة للصحفيين لربط علاقات بعد أن تحوّلت تونس إلى مزار دائم للوفود العربية ولمختلف الفصائل الفلسطينية.
حدثان غيّرا مسار كريشان المهني، فوجود الجامعة العربية مكنته كغيره من الصحفيين من فرص مراسلة إذاعات دولية بعد أن أصبحت تونس مصدرا أساسيا للأخبار، في تلك الفترة الساخنة عربيا،
أما وجود الفلسطينيين بتونس فقد دفعته للتخصّص في الكتابة عن القضية الفلسطنية كموضوع رئيس ضمن تغطية القضايا العربية التي كانت مجال كتابته في الصحف والمجالات التونسية التي اشتغل بها. اختصاص مهّد له الطريق لإقامة علاقات مع مختلف القيادات الفلسطينية في مقدمتها الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي لم يتردّد في تكريمه بعد نيله جائزة تونسية عن برنامجه الاذاعي «أحداث عربية» الذي كان يعدّه ويقدّمه بالإذاعة الرسمية التونسية.
7 - اقتناص الخبر
ثمة خاصية أخرى تبرز في ثنايا العمل الصحفي، وهي أن يكون الصحفي مقداما، يغامر من أجل اقتناص المعلومة دون خوف من الفشل أو ورطة ما، أو حتى من ردة فعل مهينة من الطرف المقابل، فذلك من صميم العمل فأن تقدّم لا يعني أن تنجح دائما، لكن في حال النجاح تكون قد أنجزت عملا يرضي طموحك المهني، وفي أحسن الحالات تحقق سبقا يلهث وراءه جميع الصحفيين.
في الكتاب قصص عن هذه المغامرات مع قادة عرب مثل الحسن الثاني وطارق غزير والشاذلي القليبي ووفود عربية عدة زارت تونس في اطار اجتماعات جامعة الدول العربية ومن تلك المغامرات ما حققت طموح الصحفي، في حين فشلت اخرى في تحقق أهدافها.
8 - التعلّم ومراكمة التجربة.
في تحليله لمهنة الصحافة يقول الصحفي الفرنسي الراحل جان دنيال إنها المهنة الوحيدة تقريبا التي يتقاضى صاحبها راتبا من أجل التعلم الدائم، فالمتابعة المستمرة للأحداث، وإعداد البرامج أو المقالات التحليلية، ومواكبة الندوات، وإجراء المقابلات مع سياسيين وعلماء ومفكرين، كلها مجالات لتطوير الوعي والمعارف يوميا بما لا يتوفر في مهنة أخرى.
ثمة خليط كميائي ينتج الصحفي الناجح، يتمثل في هذا التعلم المستمر، والكتاب يرسم جزءا من هذه الكيمياء التي انطلقت من أول عمل في بدّالة صحيفة لابراس اليومية التونسية ليوفّر مصاريف دراسته بمعهد الصحافة إلى أن سطع نجمه بقناة الجزيرة، فعلى طول صفحات الكتاب لا يتردد كريشان في ذكر صحفيين تأثر بهم واستفاد من تجاربهم، بل تركوا بصمة في حياته المهنية ، من حسيب بن عمار مدير صحيفة الرأي التونسية، الصحيفة الأولى التي عمل بها كريشان، إلى محمد حسنين هيكل، مرورا بسامي حداد أول رئيس تحرير للجزيرة، يبدو واضحا الإعجاب الذي يتحدّث به كريشان عن هيكل مثلا الذي خصص له فصلا كاملا بالكتاب للحديث عن كواليس مقابلاته معه للجزيرة.
مراكمة التجربة كما وردت عبر محاور الكتاب تبرز أن الجزيرة كانت هي المدرسة الأهم في حياة كريشان فربع قرن من محاكاة تجارب صحفية مختلفة جمعتها غرفة أخبار القناة، وفرص محاورة رؤساء دول وشخصيات من الصف الأول، وتغطية أحداث عالمية هزت العالم كانت كافية لمراكمة التجربة والارتقاء إلى مراحل أخرى في المهنة.
9 - الاستقلالية والاستبداد.
أن تكون صحفيا ناجحا في قناة إعلامية جريئة ومؤثرة وواسعة الانتشار، لا يعني أن تحتفي بك سلطة بلادك بما يقتضيه ذلك النجاح، بل عادة ما يحصل العكس إذا كان النظام مستبدا لا يؤمن بحرية الصحافة ويعمد إلى التضيبق عليها ومحاصرتها لفرض الرأي الواحد والخبر الواحد والتحليل الواحد. بل يصل الأمر الى الصورة الواحدة.
فإذا كان كريشان يقرّ في كتابه أنه لم يتعرض الى مضايقات أمنية طوال عمله بالجزيرة ما عدا مرة واحدة تم تفتيش أغراضه بمطار تونس قرطاج بطريقة تنبئ بالتشفي، فإنه لم يكن مرحّبا به في الأوساط الرسمية التي تحمله أكثر من طاقته فتعتبره مسؤولا عن كل ما يبث عن تونس بالجزيرة، ويكون التعامل معه بمثابة متغيرات البورصة كلما كان هناك بثّ لأخبار المعارضة التونسية أو تلك المتعلقة بالحقوق والحريات كلما كان الغضب أشد.
لذلك لم تتردد في تصنيفه سياسيا فهو «خوانجي» كما وصفة عبد العزيز بن ضياء أحد أهمّ مستشاري المخلوع بن علي وأحد السياسيين النافذين بالبلاد. وكلمة خوانجي التي تستعملها السلطة المستبدة وأذنابها في توصيف تحقيري للإسلاميين توحي بإخراج المصنّف من «الملة» في ظرف كان الاسلاميون مسجونين ومطاردين،.
وهو في تصنيف ثان اعتمدته الصحافة الصفراء التي تأتمر بأوامر السلطة فهو «عميل» لأنه بعمل بقناة أجنبية ويسمح لها ببثّ «سمومها» ضد وطنه.
تصنيفات عديدة لم يخجل كريشان من ذكرها بكتابه، في تصالح واضح مع الذات، لكنها تصنيفات تبرز في نظرنا أن النظام الاستبدادي الذي هيمن على الاعلام في بلاده ، لا يريدك ان تكون ناجحا مشعا حتى من خارج البلاد، كما لا يريدك حرا تحترم المهنة. يريدك فقط أن تكون تابعا في طابور الصحفيبن الذين يعتمد توظيفهم كلما أراد ذلك، وما قصة أحد السفراء التونسيين بالدوحة الذي أراد توظيف صحفيي الجزيرة التونسيبن بأسلوب مخابراتي إلا أحسن دليل على تصور السلطة التونسية حينها لدور الصحفي.
10 - ما بعد الصحافة أو ما بعد الحقيقة.
يحرّك كتاب محمد كريشان سواكن كامنة فيك كصحفي، فحين تفرغ من قراءة الكتاب الذي اختزن تجربة أربعين سنة ستدفع دفعا إلى السؤال ما علاقة هذه التجربة الثرية في أحداثها، والمتنوعة في مضامينها، والحريصة على احترام أصول المهنة الصحفية وقواعدها كما تُدرّس في كليات الاعلام، وبين المتغيرات التي طالت المهنة عبر ما بات يُعرف بمزاحمة منصات التواصل الاجتماعي التي قايضت في كثير من الأحيان المعايير المهنية التي أشرنا إليها في العناصر السابقة، قايضتها بالسرعة، والإثارة، والتضليل، والبحث عن نسب الإعجاب.
سؤال يدفع جيلا بأسره من الصحفيين إلى الحيرة عن مصير مهنة حلموا بها وبنوا جزءا من مواثيقها، وناضلوا من أجل بقائها حرة، وهم يشاهدون تلك المعايير الصحفية تنهار تدريجيا من يوم الى آخر، لأنه مع « استبداد» السوشيل ميديا بات منظّرو الإعلام يتحدثون عن « ما بعد الحقيقة» و»ما بعد الصحافة» إقرارا منهم أننا دخلنا مرحلة جديدة لا تعكس ذلك الحرص لدى الجيل السابق من الصحفين، على الدقة، واللهث وراء الخبر والسبق الفعلي، واحترام مصادر الخبر ونسج علاقات ثابتة معها. فقد انتقلنا من كل تلك القيم إلى تسطيح الوعي، واستسهال النشر دون دقة أو صرامة يفرضهما الانتصار للخبر وللحقيقة، بل الخشية أن نصل إلى تعميم الجهل ما دام الفضاء مفتوحا للتعبير في كل الفضايا أمام من لا اختصاص ولا معرفة لهم.
تفاصيل كريشان تكشف من حيث لم يرد الكاتب معركة جيل صحفي من أجل الحقيقة، مقابل مرحلة ما بعد الحقيقة التي فرضت على الجميع فرضا ويكاد يصبح التضليل فيها قاعدة لجلب مزيد من نقاط الاعجاب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا