قهوة الأحد: وجوه من الإبداع (25): النوري عبيد، الكتاب والسياسة للتنوير

لقد شكلت العلاقة الوثيقة بين المجال الإبداعي والساحة السياسية احدى ميزات الساحة التونسية وساهمت في تعميق خصوصية التجربة التاريخية في بلادنا.

وقد شملت هذه العلاقة جميع مجالات الإبداع الفني سينما ومسرح وقصة وفن تشكيلي .ومن ضمن هذه المجالات يمكن أن نشير إلى ميدان النشر والذي كان من ضمن أولويات دولة الاستقلال والتي أسست شركة نشر وشركة توزيع للإنتاج الثقافي .إلا أن هذه المؤسسات عرفت الكثير من الصعوبات المالية ككل المؤسسات العمومية.وكان برنامج التعديل الهيكلي الذي طبقته الدولة بدعم من الصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وراء انتهاء دعم الدولة لهذه المؤسسات مما أدى إلى إفلاسها وغيابها في نهاية الثمانينات .

إلا أن أزمة دور النشر العمومية وإفلاسها لم تعن نهاية قطاع النشر في بلادنا .فقد ظهرت منذ سنوات مؤسسات خاصة في مجال النشر لعبت دورا مهما في تنشيط الحياة الثقافية والفكرية من خلال التعريف بانتاجات المبدعين وتوزيعها في أغلب مناطق البلاد .
ولعل من أهم تجارب النشر في بلادنا المشروع الذي انطلق فيه الأستاذ النوري عبيد منذ منتصف السبعينات والذي قاده إلى تأسيس عدة مؤسسات مختصة في النشر وهي دار محمد علي، والمؤسسة العربية للناشرين المتحدين ودار التنوير .

والحديث مع سي النوري على هذه التجربة والتي امتدت على أكثر من أربعة عقود ذو شجون ويقودنا إلى تاريخ العمل السياسي وتمرد الشباب ضد دولة الاستقلال منذ نهاية الستينات .ولعل من أهم نتائج وخلاص هذه التجربة وخلاصاتها الارتباط الوثيق بين العمل الثقافي والعمل السياسي .فقد ظهرت ونمت فكرة العمل الثقافي في خضم الزخم النضالي الشبابي في الجامعة وفي مناهضة القوى التقليدية ومحاولات الانحراف والاستبداد من الدولة الوطنية.والنتيجة الثانية والمهمة هي القناعة عند سي النوري بضرورة الدفاع عن مشروع ثقافي وطني وتقدمي يسعى إلى تقديم ثقافة وكتب راقية تساعد على النهوض بالذوق العام .فالربح المالي لم يكن الهاجس الأساسي في هذه المشاريع والمؤسسات الاستثمارية وإن كان سي النوري حريصا على حسن إدارتها لتفادي الأزمات المالية الكبرى وضمان ديمومتها .فكانت الثقافة والإبداع والفكر الأهداف الأساسية لهذه المشاريع والمؤسسات لتثبت هذه التجارب أن التوازن بين حسن الإدارة المالية ونشر الثقافة الراقية غير مستحيل .

وقد ساهمت هذه المؤسسات في التعريف بأجيال كبيرة من المبدعين والمفكرين من بينهم على سبيل الذكر لا الحصر الروائي شكري المبخوت صاحب البوكر عن رواية «الطلياني» وآمال مختار ورفيقة البحوري ومحمد بن حمودة ومحمد القاضي ويوسف الصديق والمؤرخ الهادي التيمومي وحكيم بن حمودة وآمنة الرميلي وخليل قويعة الحاصل على جائزة الشيخ زايد لسنة 2010 وإبراهيم بن صالح .

وعند قراءة هذه التجارب لا يمكن أن ننسى الجانبين الوطني والعربي اللذين طبعا المشروع الثقافي لسي النوري والذي عمل جاهدا على بناء شراكات مع مؤسسات نشر وناشرين عرب لأسباب اقتصادية باعتبار ضيق السوق التونسية والسياسية وضرورة انفتاح العمل الثقافي وتبادل الأفكار والآراء في الفضاء القومي العربي .
لكن قبل الحديث عن تجربة النشر سنعود إلى البدايات وتشكل الوعي السياسي عند سي النوري .

• البدايات والإرهاصات الأولى للوعي السياسي
ينتمي النوري عبيد إلى عائلة متوسطة من الفلاحين ساهمت في ما سماه المؤرخ الهادي التيمومي بملحمة الزيتون في صفاقس وفي كامل الوسط التونسي .فكان الوالد يغيب عن المنزل لأكثر من شهرين حاملا معه مأكله وحاجياته ليهتم بغراسة الزياتين ورعايتها على مدار السنة .
كان يعيش حياة عادية في غياب الوالد ورجال العائلة ترعاه والدته .ولم يكن التعليم حاضرا في المجال العائلي بل كان ثانويا لتبقى الاشتغال بالفلاحة أفق لبناء العائلة .إلا أن والدته أصرت على ضرورة ذهابه إلى المدرسة ليكون انطلاقه في التعليم .وازدادت عزيمة الطفل في النجاح إثر رسوبه في السنة السادسة بسبب قصر النظر وعجزه عن قراءة ما كتبه المعلم على السبورة .

وعند انتقاله الى المدرسة الثانوية اختار النوري عبيد التخصص في شعبة العربية .وكان لهذا الاختيار تأثير كبير على مساره السياسي حيث أن أغلب الأساتذة في هذه الشعبة تلقوا تعليمهم في الشرق وكان لهم بالتالي حس عروبي.فكان ان انخرط الشاب اليافع آنذاك في حزب البعث في سن 16 سنة وأقسم على الوفاء للتنظيم .
مع دخوله المعهد والتقدم في الدراسة أصبحت الثقافة والأدب والمطالعة أحد أهم اهتماماته.وفي نفس الوقت تألق النوري عبيد في رياضة كرة اليد مع نادي ساقية الزيت لتقع دعوته إلى المنتخب الوطني ليبقى إلى حدّ اليوم أحد اللاعبين القدامى المحترمين في هذه الجمعية .وساهمت هذه التجربة في بناء قدرته الاجتماعية وبناء العلاقات والتي ستكون مهمة في تجربته السياسية .
وقد عرفت تجربته السياسية تطورا مهما في سنوات الجامعة حيث التحق بصفوف الشباب الثائر. ثم انسحب النوري عبيد من حزب البعث ليلتحق ببعض المجموعات اليسارية القريبة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
وكان الجانب المهم في الفضاء الجامعي نضاله النقابي حيث كان ضمن الأغلبية في مؤتمر اتحاد الطلبة في قربة 1971 والتي انقلب عليها الحزب الحاكم.
ثم ساهم في حركة فيفري 1972 وقام بكتابة برنامج 1973 والذي أتى بالهياكل النقابية المؤقتة في انتظار إنهاء المؤتمر .
وقد ابتدأ في التدريس في 1973 في سيدي بوزيد ليقع إيقافه بعد شهرين ثم وقع تجنيده قسريا في ثكنات قفصة والرديف.واثر عودته للتدريس واصل النضال النقابي في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل حيث شارك في الإضراب في جانفي 1978 لذلك وقع طرد زوجته ونقلته تعسفيا إلى مدينة قابس. إلا أن الهام في هذه التجربة السياسية هو المجال الكبير الذي أخذه المجال الثقافي لديه ليصبح سي النوري على رأس إحدى أهم دور النشر في بلادنا وطنيا وعربيا .

• من السياسة إلى الهاجس الثقافي
كان الهاجس الثقافي عند سي النوري وخاصة الاهتمام بالإبداع التونسي حاضرا لديه منذ سنوات الشباب .فقد دافع مع أصدقائه في الجامعة على ضرورة تغيير برنامج التدريس الذي كان مرتكزا على تدريس الأدب الجاهلي والأدب العربي دون الاهتمام بالتجارب الإبداعية التونسية .ونجح الطلبة في ذلك الوقت بمعية بعض الأساتذة الراجعين حديثا من فرنسا مثل صالح القرمادي وتوفيق بكار والطيب البكوش في إدخال مواد جديدة تهتم بتدريس الأدب التونسي والتجربة الروائية في بلادنا إلا أن الانطلاق في بعث المؤسسات الثقافية بدأ اثر نقلته إلى مدينة قابس حيث فتح مكتبة محمد علي في المدينة والتي وفر رأس مالها من بيع حلي زوجته .وقد أدخلت هذه المكتبة حركية ثقافية كبيرة في مدينة قابس وساهمت بصفة كبيرة في نشر الكتاب والوعي الثقافي الجهة .

ثم جاء الانفتاح السياسي مع وصول السيد محمد مزالي في بديات الثمانينات كوزير أول وتم إرجاع المطرودين إلى وظائفهم لتعود العائلة إلى صفاقس .
وقد وقع إنشاء دار النشر محمد علي في صفاقس في بداية الثمانينات ونشر أول كتاب لأستاذ التاريخ الهادي التيمومي تحت عنوان «الحركة الصهيونية في تونس – وكان هذا الكتاب وراء أول صعوبات مالية للدار الفنية والتي عادت إلى الإفلاس اثر حجز الكتاب .
ثم انطلق الأستاذ النوري عبيد في تجربة جديدة مع بعث دار المؤسسة العربية للناشرين المتحدين مع عديد من الأدباء الفلسطينيين والسوريين والمصريين والذين قدموا مع الثورة الفلسطينية سنة 1982 واستقروا في بلادنا .وكانت لهذا الدار عديد الإصدارات مع ممدوح عدوان .ولعل أهم مشروع لهذه الدار كان ترجمة المعجم النقدي للماركسية والذي صدر في باريس عن دار PUF.وقد شملت هذه الترجمة 1600 صفحة و500 مصطلح واشتغل عليها أكثر من 35 مترجم وامتدت على فترة 5 سنوات من 1985 إلى 1990.إلا انه رغم أهمية هذا المشروع من الناحية الفكرية فقد كان وراء صعوبات مالية كبيرة قادتها إلى الإفلاس من جديد. إلا أن هذه الانفاقات لن تمنع النوري عبيد من الانطلاق في إعادة الكرّة من جديد وإعادة تأسيس دار محمد علي وسيأتي رأس مالها من بيع قطعة ارض ورثها عن جده .وكانت هذه التجربة الجديدة نقطة الانطلاق الحقيقية لدار النشر.
وقد تمكنت دار محمد في 35 سنة من نشر ما لا يقل عن 700 عنوان موزعة في 25 سلسة و60 كتابا في نشر مشترك مع دور نشر عربية .وقد نشرت الدار ضمن %60 من إنتاجها أول كتاب لعديد المؤلفين والأدباء .وقد ساهمت الدار في ظهور عديد الأسماء المهمة على الساحة الثقافية والروائية في بلادنا .كما لعبت دورا مهما في التعريف بالمبدعين التونسيين في الخارج .

وكانت تجارب النشر المشتركة وراء بعث «دار التنوير» بين مصر ولبنان وتونس سنة 2013 والتي أصبحت في فترة قصيرة من أهم دور النشر العربية وهي ذات خط تحريري تنويري يدافع عن مبادئ العقلانية والحرية .
ولم يقتصر عمل سي النوري ونشاطه على إدارة دور نشره بل لعب دورا كبيرا في تنظيم قطاع النشر ودعمه ليلعب دوره كقاطرة أساسية للإبداع في بلادنا .فكان عنصرا مؤسسا لاتحاد الناشرين التونسيين سنة 1866 وتولى رئاسته سنة 2003 و2013.
وكان عضوا في مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب وتولى رئاسة الاتحاد المغاربي للناشرين في دورتين بين 2006 و2010 ومن 2007 لى 2014.كما ساهم في الرابطة الدولية للنشارين المستقلين والتي تضم 750 ناشرا من 54 دولة ومقرها باريس يشرف على خلية الناشرين العرب .
وساهمت هذه المنظمات والمفاوضات مع السلطة في تحقيق عدة مكاسب لفائدة الكتاب والناشرين ومن ضمنها انجاز كراس الشروط لتنظيم المهنة .كما تم بعد مفاوضات مع الدولة إقرار ضريبة بـ%0.5 على كل أدوات الاستنساخ لتمويل صندوق دعم الإبداع.كما تم إقرار دعم الورق للكتاب الثقافي.
وقد ساهمت كل هذه الإجراءات في دعم القطاع والحركية التي يعرفها مجال النشر منذ سنوات في بلادنا وساهم في الثورة التي يعرفها المجال الإبداعي منذ سنوات .

إن المسيرة التي رسمها النوري عبيد بصبر منذ سنوات هي تعبيرة عن المسار الذي عرفه ميدان النشر والمجال الثقافي بصعوباته وانجازاته .وهذه المسيرة تؤكد جانبين مهمين وهما الدور الكبير لميدان النشر في دعم الحركية الثقافية في بلادنا وفي تطور الإبداع في عديد المجالات وبصفة خاصة الأدبي.
أما الجانب الثاني والمهم فيخص علاقة النشر بالتجربة السياسية والعلاقة العضويةفي المجال الإبداعي بمختلف مجالاته في دعم تجربتنا السياسية وخصوصيتها وتفردها من حيث انخراطها في المشروع الديمقراطي وانحيازها لمبادئ الحرية والاختلاف والتعدد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا