منبــــر: الكتاب الجديد للأستاذ حبيب القزدغلي: أوراق من تاريخنا

بقلم: صفاء باكير

باحثة في التاريخ المعاصر – مرحلة دكتورا-
مخبر التراث بكلية الآداب والفنون والانسانيات

تحت عنوان «أوراق من تاريخنا» صدر كتاب جديد لحبيب القزدغلي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة منوبة، وقد أصدرته دار «نيرفانا» للنشر بتونس في 26 أوت 2021.
الكتاب من الحجم المتوسط ويحتوي على 219 صفحة. وقد وقع اختيارنا على تقديم الكتاب لأهميته التاريخية والتوثيقية من ناحية، ولحداثة إصداره ورمزية تاريخ نشره الذي تزامن مع الاحتفال بمرور مائة سنة على بعث أول نواة شيوعيّة بالبلاد التونسية (1921 - 2021) التي أولاها الكاتب أهميّة كبرى وكرّس وقته وجهده لإحياء هذه الذكرى حتى يتم ترسيخها لدى الجيل الحاضر والأجيال القادمة باعتبار أن النشاط اليساري في تونس له جذوره وامتداده وعمقه التاريخي، فكان من الضروري المحافظة عليه والحثّ على تجديد النظر فيه ودرسه.

إن دور الأستاذ حبيب القزدغلي، هام في مستوى البحث والممارسة وهو يساهم في اطار مخبر التراث في حماية هذا الجانب من في التراث النضالي وهو امتداد تجسيد لمسيرته النضاليّة والمهنية. انضم حبيب القزدغلي منذ منتصف سبعينات القرن الماضي الى صفوف الحزب الشيوعي التونسي واشتغل على تاريخ الحركة الشيوعية من خلال أطروحة دكتوراه ناقشها سنة 1988 وهي تحمل عنوان « تطور الحركة الشيوعية بتونس (1919-1943)» مما سمح بإضفاء الطابع العلمي والأكاديمي على نضال الأستاذ القزدغلي . اقترن الالتزام السياسي لديه بالتمسك بقواعد البحث الآكاديمي حيث حرص على مزيد التعمّق في البحث والدرس اعتمادا على المصادر والوثائق الأرشيفية المختلفة، مع أخذ مسافة كافية من الموضوع المدروس والتمسّك التام بقواعد البحث التاريخي واحترامها وتحاشي السقوط في الذاتية المرتبطة بشغفه بالعمل السياسي واليساري خاصة، مما جعله محافظا على مبادئه من ناحية، وأمينا في التعامل مع الذاكرة الجماعية والتاريخ الوطني بعيدا عن كل توظيف أو تزييف من ناحية أخرى.

بالعودة الى الكتاب يتبيّن لنا أنه يتضمن عددا من المقالات ذات البعد التاريخي في علاقة بتاريخ الحركة الشيوعية في تونس على امتداد مائة سنة، فجاء ليقدم تعريف بمسيرات عدد من مناضليها وقياداتها ورموزها عبر مقالات نشرت على امتداد حوالي الأربعين سنة ضمن جريدة «الطريق الجديد» لأغلبها منذ صدور أول عدد لهذه الجريدة في أكتوبر 1981.
احتوت توطئة الكتاب على تقديم لمحطات في مسيرة الحركة الشيوعية بداية من أصول الحزب الشيوعي التونسي (في العشرينات) ومرورا بظهور الحزب الشيوعي التونسي في الثلاثينات ووصولا إلى مشاركته في مقاومة الحضور النازي (في الأربعينات) ودوره في معركة الاستقلال خلال الخمسينات وما تلاها من مرحلة تجسيد السيادة الوطنية سواء في فترة ما قبل منعه من النشاط (1956- 1963 أو أثناء مرحلة المنع (1963 -1981) أو بعد رفع الحظر عليه، ثم تم التطرق إلى ميلاد حركة التجديد (في التسعينات) وصولا إلى بعث المسار الديمقراطي الاجتماعي في سنة 2012.

ينقسم الكتاب إلى جزءين: جزء عربي وآخر فرنسي، وينقسم الجزء الأول إلى ثلاثة أقسام رئيسية تتضمّن مقالات صدرت بـ «الطريق الجديد» خلال الفترة المتراوحة من 1981 إلى 2017، وهو يُعدّ القسم الأكبر من العمل نظرا لشموله على ثلاث وثلاثين ورقة. أما القسم الثاني فقد تمّ فيه تضمين مقالات وفاء لكل من المناضلَيْن: عبد الحميد بن مصطفى (مارس 1926- سبتمبر 2017)، وعبد المجيد التريكي ( سبتمبر1947- فيفري 2019). أما في القسم الأخير من هذا الجزء فقد عرض أبرز المحطات في تاريخ النشاط الشيوعي بتونس في شكل جدول زمني يتضمن أهم الاحداث والمحطات التاريخية للشيوعيين واليسار عموما في تونس. أما الجزء الفرنسي من الكتاب فينقسم إلى قسمين، جاء في الأول بعض المقالات الصادرة بصحيفة «الطريق الجديد» خلال الفترة الممتدة من شهر سبتمبر 2004، إلى شهر أكتوبر 2009، وأورد في القسم الثاني بعض المقالات ذات الصلة بتكريم شخصيات بارزة من اليساريين منهم: بول صباغ، ومحمد حرمل، وجوليات بسيس وياتريس سلامة والحبيب عطية...

وبالعودة للقسم الأكبر من العمل المتمثل في تلك الورقات الصادرة بـ «الطريق الجديد» خلال الثمانينات، نجد أن مواضيعها شملت عدّة مناسبات وكثيرا من التواريخ الهامّة التي عرفها الحزب الشيوعي منذ رفع الحظر على نشاطه في سنة 1981، وقدّمت عديد الحوارات لشخصيات بارزة في الحركة الشيوعية بما لعبته من أدوار هامّة في مختلف الأحداث والفترات من تاريخها. وفي الواقع، فإنه يعسر علينا تقديم كل تلك المقالات لضيق الوقت والمجال ولكثرة التفاصيل التي أتت على ذكرها، غير أننا سنتعرّض لأهمها. لقد جاء ترتيب المقالات وفق ترتيب زمني وهو ما سيدفعنا إلى توخى منهجية تجميعها وفق وحدات محورية مرتكزة على وحدة الموضوع:

• تواريخ ومناسبات هامة:
تناولت المقالات عدّة مناسبات وأعياد وطنية من ذلك ذكرى الاستقلال بتاريخ 20 مارس 1982 وعيد العمّال في مناسبتين (غرّة ماي 1982 و 30 أفريل 1983) وقد تم التعريج من خلال المناسبتين الى الارتباط الوثيق بين الحزب الشيوعي التونسي وتاريخ الطبقة العاملة التونسية من خلال الحضور المستمرّ لهذا الحزب منذ تأسيسه في جل المعارك الاجتماعية والوطنية كانت قد شاركت فيها الطبقة العاملة التونسية إضافة الى معاضدة الشيوعيون لرفاقهم النقابيين في معركتهم لافتكاك حقوقهم وتحسين وضعياتهم، كذلك اختصّت الورقة السابعة بمعركة الجلاء (1961) حيث ساهم الشيوعيون بكل امكانياتهم في هذه المعركة من خلال تنظيم عدّة مظاهرات ومشاركة عدة شيوعيين كمتطوعين في المعركة. وقد عرضت الورقات المضايقات التي تعرّض لها القادة الشيوعيين الى جانب الدستوريين والنقابيين في شهر سبتمبر 1934.
ورصدت الورقات عدد من المواقف والمذكرات التي أصدرها الحزب في مناسبات مختلفة، منها مذكرة الحزب الشيوعي التونسي للدورة السابعة للأمم المتحدة (في بداية الخمسينات) التي دعا الحزب من خلالها المنتظم الأممي الى مطالبة الحومة الفرنسية بتغيير سياستها في تونس بإلغاء معاهدتي باردو والمرسى وانهاء نظام الحماية برمته وجلاء كل القوّات الأجنبية من الأراضي التونسية. وأشارت إحدى المقالات إلى امتعاض الحزب من اهمال المؤتمر التاريخي حول الحرب العالمية الثانية الذي عقد بتونس لمساهمة الشيوعيين بتونس في مقاومة النازية، ولم يفوت المؤلف الفرصة للتذكير بمشاركات الحزب الشيوعي في الانتخابات التأسيسية والتشريعية والبلدية في فترات مختلفة من تاريخ البلاد منذ الاستقلال، إضافة إلى مواكبة فعاليات احياء الذكرى الخمسين لانعقاد المؤتمر الأول للحزب الشيوعي (1939) وختمها بالحديث عن مؤتمر حزب المسار (2014) باعتباره محطّة جديدة في مسيرة حركة الإصلاح الاجتماعي والتنوير وفق رأي الكاتب.

• التعريف بعدد من مناضلي وقيادات الحركة الشيوعية:
تم التطرق الى ذكرى وفاة كل من خميّس الكعبي، وحسن السعداوي إضافة الى رصد تفاصيل من حياة المناضل مختار العيّاري في المنفى وتقديم صورة عن نضاله الشيوعي والنقابي. وفي إطار التعريف بأهم الشخصيات التي لعبت دورا محوريا في تبلور الفكر اليساري بالبلاد التونسية، تم تقديم مذكرات سليمان بن سليمان التي دعت الى التعريف بمسيرته وبالثوابت التي طبعت مواقفه والتي من شأنها أن تقدم الكثير من الإضافات بخصوص أطار هامّة من تاريخ الحركة الوطنية. وفي نفس الإطار تقريبا تم التطرق الى مسيرة المناضل الشيوعي محمد النافع لثراء مسيرته النضالية قيمة اسهاماته المتنوعة في الكفاح الوطني والاجتماعي في البلاد التونسية.

• الحوارات والتاريخ الشفاهي:
جاءت عدة مقالات في شكل حوارات تمت بين المؤلف وعدة شخصيات فاعلة في الحركة الشيوعية في علاقة بمراحل مختلفة من مسيرتها، وهو ما يجعل المقال سردا لذاكرة هؤلاء المناضلين إزاء احداث محددة:

- لقاء اُجري مع علي التليلي (شقيق أحمد التليلي: الأمين العام لاتحاد الشغل في الستينات) حول تجربته النقابية في جهة قفصة والحوض المنجمي.

- حوار مع محمد جراد، القيادي الشيوعي الذي شارك في معركة الاستقلال وردّه على مسألة موقف الحزب من الوحدة الفرنسية إثر الحرب العالمية الثانية ومقاومة سياسة القمع الفرنسي في الخمسينات.

- حوار مع ابنة المختار العياري، المناضل الشيوعي والنقابي الذي كان احد رفاق محمد علي الحامي ومن قادة جامعة عموم العملة التونسية (1924-1925).
إن ما ورد في هذا الكتاب يمثل وثيقة تاريخية مهمة لمن رغب في معرفة بعض الجوانب ليس من تاريخ الحركة الشيوعية بتونس فقط، بل من تاريخنا الوطني، ويشكل الكتاب أيضا مادة توثيقية للدارسين لتاريخ تونس المعاصر. ويعطي إضافة علميّة ومعرفية تتجاوز مسألة حفظ الذاكرة إلى تقديم مساهمة قيّمة لجلّ العلوم الإنسانية والاجتماعيّة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا