في العقــــــــل والمعتقد

بقلم: عز الدين الفرجاني
قضية شغلت الناس منذ قبل التاريخ. حامورابي طرح منهجا في تناغم المجتمع. كنفيسيوس لم يترك أي أثر مكتوب ولكنه أسس لفلسفة

هي بين المنطق والمعتقد. سقراط بدوره لم يترك ثرا مكتوبا و لكنه حوكم من قبل «الديمقراطية» الا ثينية ونفذ فيه حكم الإعدام بتهمة التامر على الالهة والتأثير سلبيا على الشياب. كان يمشي في اثينا حافي القدم ويلقن الشيب والشباب الحكمة والمنطق و العقل. كان هذا خمس قرون قبل مجيء المسيح. نستطيع أن نواصل: ليس بالبعيد, إبن رشد أسس للمنهج العقلاني الذي الهم ديكارت حجر أساس العلم الحديث .اب الحداثة العالمية أحرقت كتبه وفرضت عليه الإقامة الجبرية ومنع من المسجد ومات وحيدا حزينا. سبينوزا رويت شيئا من قصته, هجره الجميع وفرض عزله وعدم ملاقاته أو حتى الإنصات إليه . لطمته أخته بعد أن بصقت في وجهه ومات حزنا وألما وهو في مقتبل العمر. قاليلاي حوكم وأمروه بالصمت والتخلي عن قناعاته المعرفية.
العقل والمعتقد لهما تاريخ عنيف فيه المواجهة وفيه عدم الإعتراف وفيه الطمس والنفي.
ما الذي يجعلني أكتب اليوم في الموضوع في هذا البلد الذي يعيش أزمة وجودية وفكرية وإنسانية ومجتمعاتية خانقة؟ لأ نني أحد أبناء الوطن والعصر. ولأنني أحاول أن أفهم ! بنزاهة! بصدق! وأنا لا أواجه فيما يبدو لي حقيقة لا ذي سلطة ول اذي جاه: الحقيقة أولا والحقيقة اخرا. حب الحقيقة من أجل الراحة الذاتية ومن أجل دفع المعرفة ومن أجل غد أفضل: تلك دوافعي.
ما العقل؟ العقل هو الدماغ البشري في تفاعلاته وإنتاجاته. ما هو تمشي هذا الجهاز العظيم؟ العلوم النورولوجية الجديدة فتحت معرفة غير مسبوقة في فهم التفاعل الإلكتروني بين النورونات والنتاج الكيميائي الحاصل وتقاسم الأدوار لمختلف المراكز الفيزيائية والإنتاج في النهاية بصور فأفكار فمواقف ففعل. وجب أن نعي في كل هذا سوابق معرفية: فرويد وقولمان والفيزياء.
هل العقل عدو المعتقد؟ قطعا لا! بل أكثر من هذا: هو أحد أنواع نتاج العقل. وهذا ما لا يريد فهمه الكثير من طارحي المسألة. فالعقل لا ينفي المعتقد بما أن هذاالأخير إنما هو إنتاجه. ما المشكل إذا؟
لقد طرحنا في كتاباة سابقة تاريخ المعتقد من وجهة نظر تطور الأنواع واقتناء الثقافة وقضية الموروث. ولقد طرحنا أيظا مسألة الإنتماء. وطرحنا فيما طرحنا مسألة بداية الإنسان أي الطفولة والتربية والتعلم وإعداد الإنسان الفاعل ذب الحكم الحر. في تكامل مع هذا الطرح يأتي سؤال اليوم: لماذا ينفي المعتقد في حالات لا تحصى العقل والمنطق والأخلاق؟ السؤال ليس بالبريء!
لقد تطور المعتقد عبر التاريخ ووصلتنا إلى حد اليوم 6 أو 7 أديان أساسية تمثل أسس معتقدات المجتمع البشري في العهد المعاصر. 3 أديان وصف بالسماوية والأصح أن نقول أنها كونية. فالكل يعلم اليوم أن ما نسميه سماء إنما هي شكل كروي يحيط بالأرض طوله 300 كلم و يتكون أساسا من ازوت واوكسيجان ويضمن ضغطا قننه نيوتون و اتضح أن هذا الضغط تجاذب كوني!!
إذا, فالأديان الثلاثة تعود بالمعتقد إلى وحدة الكون وبوحدة الإلاه و بكونية الوجود.هل العقل ينفي هذا؟ قطعا لا حسب رأيي!
ولكن أين نضع في هذا المجال الإلحاد وتاريخه؟ شوبنهاور ونيتشة وماركس وكثير ممن تلوهم؟ والسؤال هنا يطرح بدوره سؤالا اخر أساسيا لرفع الإلتباس:كيف الإجابة على طرحهم بأن الإنسان هو الذي خلق الله؟ أقول أن الإنسان وعى في وقت ما بالإلاه الأوحد!! الملحد يقر بوجود عالم مادي ذري.أقول إلى صديقي هذا: الأمور أعقد من ذلك! فالعالم الذري لا يمثل إلا جزءا بسيطا من الكون والكون في أساسه ومجمله غير ذري,هو بالأساس طاقي!!! والعلم ليس إلا في بداياته, أن تؤمن بالطبيعة فلك حق. وليس هناك أي مشكل وأن يؤمن سبينوزابأن الطبيعة هي جزء من التجلي في ذاتها للذات العظمى, فهذا فهم أسمى وأرقى.
أذن الرياضة الفكرية تسمح لنا بالكثير ونحن نحتاج لمعرفة أصح وأدق ونحتاج أيظا إلى صور واضحة يرتاح فيها عقلنا و نفسيتنا.هذا مهم!
تسأل أغلب الناس: ما الله؟ الأغلبية الساحقة غير قادرة على أن تتصور أكثر من شيخ وقور ذي لحية بيضاء و يجلس على كرسي في مكان ما في»السماء». هذا أيضا تجلي ولكنه تجلي بسيط لدى البسيط!
لاحظوا أني طرحت السؤال: «ما الله» ولم أقل: «من الله» لأن في كلمة «من» أنسنة لله والله أشمل وأرقى!! فأقول:» إنما يتجلى الله في ذاك النظام وتلك الدقة و التناغم والجمال الكامن في الموجود بدءا باللامتناهي في الصغر ومرورا باللامتناهي في الكبر ووصولا إلى أزل المكان والزمان وكل أشكال الوجود. هذا ما يقدر عليه وعيي في الذات والزمان والمكان!!
لاحظوا أن كل المديح والوصف والمفردات التي استعملها البشر في نعت الذات العظمى كانت ( جميلة ولكنها) إنسانية. بدءا بالعبارات الراقية التي استعملها سانت أوقوستين في مؤلفه الشهير «الإعترافات» ومرورا ووصولا إلى كل المراجع الإنسانية. في حين أن صفة الإنسان لا تقرب الصفة العظمى. ما الحل؟ لا حل!! الدماغ البشري غير قادر إلا على استنباط مفردات تنبع من كيانه. المسألة هنا في الوعي بهذا الضعف رغم استحالة الخروج منه.
بقي أن أشير إلى شئ مهم: المعرفة اليوم ميادين واختصاص ووسائل شتى. فالرياضيات ونضمها ووسائلها ميدان مستقل. هي تتفاعل مع الفيزياء والكيمياء وعلم الإجتماع وعلم النفس...ولكن الرياضيات لها ميدانها. وكذا بقية ميادين المعرفة. ففنون السياسة وعلوم الإقتصاد والإقتصاد السياسي و المحاسبات والنقد أيظا علوم. تتداخل في أجزاء ولكن لكل منها مناهجه وأدواته وأساليبه. كذا المعتقد!! فمنهج المعتقد يختلف تماما في ادواته ( وحتى في المراكز الدماغية التي يوظفها) عن ميادين المعرفة. ولذلك نؤول الميتولوجيا والقصص والأسطورة كل حسب وعيه وذكائه وثقافته: سطحيا وتسليما لدى البسيط وعمقا ومغزى لدى المفكر, هذا بالضبط منحى إبن رشد وبعده سبينوزا!!! ثم أتى ديكارت ليضع على هذه اللأسس مبادئ المعرفة التجريبية. وهكذا فهم المجتمع الراقي أهمية الفصل بين الميادين هذه وخطر وأغلال التقيد في مواصلة الخلط بينها. هذا ما وجب أن يقتنع به مسلموا العالم اليوم!!!
ماليزيا فهمت هذا: إذ يقول ماهاتيرو «أنا أبدء نهاري بالتوجه نحو الكعبة حتى أصلي أما في البقية فأتوجه صوب اليابان حتى أستقي مناهج العلم والعمل». وكذلك عدد كبير من رواد النهضة. فالنهضة التي انطلقت في تونس ومصر وتركيا ومن رموزها خير الدين والطهطاوي ومحمد علي والمسعدي وبورقيبة و الشابي وأتاتورك وغيرهم, هاته النهضة التي سبقنا فيها الغرب ب 5 قرون مع «إعادة الولادة» لا تزال في بداياتها في ربوعنا. وهي أساس فصل بين ميادين أنشطة الدماغ والأفراد حسب الإختصاص والميدان. سوف تبدأ النهضة العارمة والشاملة والفعلية لما تتهيأ لها كل الظروف الضرورية. وجب أن نفهم الكلام وأن نعيه وأن تعبر فعلا الأسماء عن المسميات. فالمحافظ لا يزال في دون مستوى النهضة حتى و إن تبنى إسمها دون فهم وهضم لمعاني المسمى!!! وجب أن يفهم المحافظ أن محافضته ليست في خطر وأن يترك الرغبة في التسلط وممارسة ميادين هو ليس مؤهلا لها لسبب بسيط: أن الإقتصاد السياسي يمارس بعد التمكن من مجموعة علوم صحيحة ولا بإسقاط المعتقد في غير ميدانه!! نحن نعيش القرن الواحد والعشرين!!!!
سوف نعيش نهضة فعلية وشاملة عندما نبدأ في الفهم بالدراسة والعلم والعمل!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا