في الثورة

بقلم: عز الدين الفرجاني- مستقل
دراسة ظاهرة الثورة في تاريخ المجتمع الحديث و المعاصر ليست بالشيء الهين. وقد حاول الكثير

من المفكرين والباحثين تناول الموضوع وتفكيكه من اجل الفهم او حتى وضع نظرية لنجاح الثورة.
والمتأمل في ثورات التاريخ الحديث و المعاصر يلاحظ تواجد عناصر عامة لعبت ادوارا اساسية في نجاح الثورات وتلك العناصرـ تماما كما التفعيلة الكيمياويةـ تجعل العملية ضرورة لا ممكنة فقط وانما يستحيل عدم حدوثها. وهي عوامل متعددة و متشعبة و متداخلة. فمنها الاقتصادي ومنها الاجتماعي ومنها درجة التنظيم والتفاعل السياسي ومنها الخاص والعام ومنها النفسي و منها حتى الصورة التي ترسم في مخيلة الفرد ويتقاسمها مع مجموعة واسعة من مبادئ كالحرية والانعتاق وانتصار الجديد والحلم بالأفضل و الارتقاء الى الملكية وممارسة السلطة.
الثورة الامريكية مثلا نجحت ضرورة نظرا البلوغ المجتمع الامريكي درجة من التصنع جعلت الحاجة الى اليد العاملة الصناعية تنتصر على عقلية العبودية المسيطرة لدى الاقطاع. فكان انعتاق العبيد ضرورة اقتصادية فرضتها المرحلة اولا وقبل كل شيء.
الثورة الفرنسية اتت بمبادئ عظيمة: المواطنة والحرية و اخوة البشر. ولقد سبقها عمل دؤوب على مستوى الفكر والفلسفة أدى الى ترسيخ تلك المبادئ وبثها لدى العموم. ولكن هذه الثورة انتكست خلال عقود ومناسبات عدة. ولعلنا نذكر رأي شوان لاي قرابة مأتي سنة بعد الثورة الفرنسية :»لم يحن بعد الأوان للحكم عليها!!»
أما الثورة البلشفية, التي كانت قي البداية ثورة ديمقراطية بالأساس, فقد حولها لينين برجوعه الى سان بيترسبورغ إلى وجهة راديكالية معتمدا الخطاب الناري والمحرك لجموع المعدمين. إذ شحن العزائم وحرك مشاعرا لدى هؤلاء وقادتهم لم يكونوا في استعداد لها. و هكذا فقد لعب لينين دورا رائدا وأساسيا في تحويل وجهة الثورة وانقلابها من ثورة ديمقراطية الى ديكتاتورية أنصار المعدمين.
والثورة الايرانية الأولى لم تنجح ورجع الشاهنشاه الى بلاده وتمكن من دحر الثورة اليسارية و دكها والفتك برموزها. ولكن وجود شخص الخميني خلال ثورة 79ورمزية الشخص واستفحال الأزمة الاجتماعية جعل الرجوع الى الماضي مستحيلا. فانتصر جديد (هو قديم جدا ).وكانت الثورة الايرانية رجوعا تاريخيا الى الوراء ولكن عوامل ذكرنا البعض منها جعلت انتصارها حتما.
استقلال تونس ووجود شخص بورقيبة وانتصاره على بن يوسف يخضع لنفس القوانين من ضرورة وصل لها المجتمع كما العديد من المجتمعات الأخرى المشابهة في بلوغ مستوى الانعتاق و الفوز بالسيادة و مسك أمور البلاد بأيادي محلية و القضاء على الشكل القديم من الاستعمار. أما انقلاب بن علي, فعوامل عدة منها شيخوخة القائد ورغبته المملة في التمسك بالحكم وتواجد الاخوان و انهيار الاقتصاد ووجود شخص بن علي, كل ذ\اك جعل الانقلاب حتما.
أما 14 جانفي 2011 فكانت الظروف ملائمة لإنهاء حكم بن علي بعد تراكم الظلم والحيف و المحسوبية والرشاوي و فقر المسحوقين و الجهات. و كان لانتحار البوعزيزي دور الشرارة. ولكن هذه الثورة لم تتبلور ولم تنجح بل تقهقرت تونس الى الوراء على المستوى التاريخي حسب كل المعايير حيث استفحلت كل مظاهر الانحطاط حتى أصبح وجود الدولة مهددا في كيانه. وغابت الفصائل الديمقراطية الضرورية من أجل انصهار الحدث في اتجاه التقدم التاريخي :غياب القائد الرمز والتواجد المكثف لقوى الردة وغياب الوعي( تفشي الفقر المادي والنفسي) جعل تونس تنحدر الى منحدرات عميقة.
بقي أن تحدد علاقة الحرية مع مبدأ الضرورة في عملية الثورة: انما تعكس فكرة الحرية درجة الوعي بالممكن. وصحة الادراك هي التي تجعل من التعبير عن الحرية حدثا ضروريا يحدث. أما الحرية في تعريفاتها الشعبية و الثقافية فلا وجود لها. إنما تبقى تعبيرا عن سطحية ادراك للواقع .اذ لا مناص للتصرف « الحر» من ضرورة الوعي بالواقع والامكانيات التي يحتمها.
أما الثورة الناجحة فهي حدث ينجح ضرورة اذا توفرت الظروف الملائمة منها الجماعية و منها الفردية كأن يوجد شخص يبلور الثورة ويؤسس لها و يخلق الظروف المعنوية لتوجيهها وإنجاحها. ذاك يسمونه الزعيم أو الرمز. غاب هذا لدى الثورة التونسية في مرحلتها الحالية اضافة الى غياب تجمع سياسي يعبر عنها. و بقيت جماعات صغيرة متناحرة تتنازع زعامتها. وضاع في الطريق عشرات «القادة» الصغار الذين خيل لهم خلال فترة قصيرة أنهم قادرون على الريادة والتعبير عن الثورة وتمثيلها.
من الناحية النظرية تبقى فلسفة هيڤل و سبينوزا سارية المفعول في جدلية الحدث وضرورته في حين أخفق ماركس في نظرية ريادة المعدمين من أجل التقدم. أما «نظرية» راشد الغنوشي في سيطرة اللاوعي الجماعي فهي معادية للعلم و المعرفة. وهو لم يقرأ فرويد و يحكم على الأمور بالضبابية و الفوضى في حين يسير العالم على العكس حسب قوننة يفهمها العلم للسيطرة على الحدث والسير في اتجاه التاريخ أي أكثر رفاهة وأكثر رقي.
سوف تنجح الثورة الديمقراطية التونسية عندما تتهيأ الظروف الجماعية و الفردية لنجاحها. متى ذلك؟ يو م تتبلور المجموعة الواسعة المعبرة عنها ,هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى, وجب أن تخلق لنفسها القائد الرمز. مواصفاته: القوة و الذكاء لفرض الإنتصار على تيارين اثنين, القديم والقديم القديم. كيف ذلك؟ يفهم أولا ما يحدث ثم يقرر:
تربية الشعب حسب مبادئ الحداثة وبناء الدولة المعاصرة, المواطن المسؤول والفاعل المبادرو البطش برموز الاجرام والتخريب وزرع الرعب في قلوب أذيالهم وأتباعهم , روباسبيار جديد, لينين جديد أو بورقيبة جديد.
- تكسير كل القيود البالية أمام الذكاء و المبادرة الفردية القادرة على خلق القيمة المضافة
- فرض عقلية الفخرو الاعتزاز بالانتماء الى الوطن: تونس قرطاج, تونس افريقية, تونس الضاربة في صميم الحضارة و القادرة على المضي قدما نحو تحقيق المعجزات.
- مكافحة شرسة لكل فعل أو خطاب مضاد و غلق الباب نهائيا أمام كل منظريهم و مناصريهم ودعاتهم من تجار الكلمة والخطاب الهدام.
لنعد إلى الثورات الأساسية في العصر الحديث: الأمريكية و الروسية والفرنسية مثلا. لقد نجحت الأولى و الثالثة وكانتا منخرطتين, منصهرتين في اتجاه الضرورة الحتمية التي تتماشى مع العصر والاتجاه العام. ولقد فشلت الثانية رغم نجاحها الظاهري الباهر لمدة عدة عقود و رغم الأحلام التي أثارتها لدى جماهير من المفكرين والسياسيين و باحثي علم النفس و الاجتماع.
وجب ضرورة إعادة قراءة باروخ سبينوزا وتبني المنهج المعرفي الذي أسس له هذا الرجل. إنما تحدث الأشياء ضرورة!! و الحدث يمكن أن يخلق حدثا في نفس الاتجاه و يمكن أن يخلق حدثا في اتجاه معاكس. كل ذلك تراكم ظواهر هي بالأساس إلكترونية ثم كيميائية فتتحول الى فيزيائية ومنها إلى شخصية و منها إلى مجتمعاتية.
أشرح ما أقول:أنقلترا لم تحدث ثورة «سياسية» في العصر الحديث. ولكن إنجلترا صنعت واحدة من أهم التحولات الثورية من الناحية المجتمعاتية وكذلك على مستوى فلسفة الاقتصاد السياسي و ممارسته. هي ثورة غير مسبوقة في التاريخ احتلت نتيجتها نصف الكرة الأرضية و سيطرت على جل مواردها. فلنفهم داروين و كوبرنيك وأعمال سبينوزا و ابن خلدون ولننضر نظرة جديدة إلى العبقري نيوتن وعشرات المفكرين والعلماء و المبدعين الإنجليز. هم خلقوا جديد غير مسبوق في فهم الأشياء و تناولها وفي فهم الفرد والمجموعة في تفاعلهم مع المادة. لم يكونوا في حاجة إلى لينين ولا إلى ڤيفارا بل هم حققوا معجزات الانتقال من ظلمات عهدهم الوسيط إلى نور الحداثة وغزو العالم انطلاقا من قراءة «سياسية» للإنتاج المعرفي والذكاء لمعاصريهم وأبنائهم من النابغين. لقد تغير النظام السياسي في إنجلترا رأسا على عقب و انطلق ذاك الشعب في اكتساح الكرة الأرضية والفوز بخيراتها دون اللجوء الى إراقة دم الملك.
إذن, الثورة الاجتماعية حدث يحدث ضرورة إذا توفرت كل الظروف. والثورة الهادئة تحدث لما يلتقي ذكاء بذكاء يفهم الإبداع الذي ينتجه عصر من العصور. والذكاء جزء لا يتجزأ من ضرورات الحدث.
السؤال الأخير الذي نطرحه: أين تونس اليوم من كل هذا؟ ولماذا نعيش هذا المخاض الرهيب من ظلام وسواد العشوائية وانتصار الجهلوت و سيطرة العنف و البلاهة و وانعدام الذكاء؟ والجواب هو أن هذا المخاض ينبئونا بأن هناك حاجة إلى وقت لبروز ذكاء ,قدرة على الفهم والتشخيص و سن الحلول الملائمة للوضع :تحاليل وتشخيص وأجوبة تتماشى مع الضرورة التاريخية.
كم من وقت يتطلبه كل هذا؟ لا يوجد جواب مضبوط! فالمسألة لا يجاب عنها حتى بأفضل النظريات في ميادين الرياضيات .ما نعيشه طبيعي وما ستنتجه الظروف رهين تفاعلات إنسانية و طبيعية.
كيف ندفع إلى الأمام؟ بتشخيص ذكي, بعمل اجتماعي, بفرض عقلية الحراك الإيجابي, بمقاومة الجهلوت, وبالعمل, العمل, العمل, العمل!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا