« إن عصيتم..فتمرّدوا»

بقلم: روضة القدري
لست هنا للتعريف بنوال السعداوي، ولا لرثائها.
تحدوني رغبة في الكتابة عن نوال السعداوي وفي مشاركة أفكاري عنها ، لكني أخاف أن أتكلّم عن نفسي أو عن علاقتي بها،

فأحتلّ مكانا ليس لي في هذا التوقيت، توقيت الحزن الضروري على رحيل كبيرٍ...
ذاكرتي مثقوبة ومعطوبة. برهاني على ذلك مئات الكتب التي قرأتها ونسيت عناوينها. في المكتبة العمومية الصغيرة، في مدينتي القلعة الصغرى، حيث كانت كتب السعداوي. التهمتها منذ الطفولة واقترن اسمها في ذاكرتي بإسم العظيمة أيضا، غادة السمّان. كانت كتبهما ترصّف على المربع الثاني، في مكان عالٍ جانبيٍّ، بعيدا عن روايات الحكيم ومحفوظ ومنيف ... حذو الروايات الفرنسية والانجليزية . وكأنّ فيهما لعنة، لم تمنعني من التسلّق لاقتطافها.
ولأنّ مكتبة مدينتي صغيرة، كنت أكمل دورة الصفوف والرفوف وقوفًا وقرفصاءًا، كما تكمل السنة دورة فصولها، وأعيد القراءة من جديد ... في انتظار أن تقتني مكتبتنا مؤلفات جديدة ..
عندما يضيق بي الحال، اتّجه خجولة نحو أمينة المكتبة أسأل عن جديد الكتب، ربّما تأخرت في التوثيق، ربما أتتنا هباتٌ لم تلتحق بعد بالرفوف ؟
عندما كبرت قليلا، سجلت في المكتبة الجهوية بسوسة... ولكنني لم أحبهّا يوما، كانت كبيرة ، مرصوصة بالكتب، موزّعة على طوابق أصابتني بالجنون ... هجرتها بسرعة وبدأت المغامرة مع مكتبة المركز الثقافي الفرنسي بسوسة ... ومنه بدأ تطليقي للكتب والأدب والحب العربي... ومنه انغرس كرهي للمحلات المرصوصة التي تتوّهني...
علقت في البال نوال السعداوي، لتشابه في طفولتينا: جداتنا العاصيات، كلّ واحدة على طريقتها. حروبنا مع أسرنا، بسبب اللقمة التي لاتوزّع بالعدل بين الاخوة، مثل الحب والاهتمام. فخذ الدجاج الذي أحبّه ويذهب لأبي وأخي. حروب ضد تمييزٍ لاداعي له، في حين كنت، مثل نوال السعداوي، أنحت جسدي وعقلي على صليب «المثالية»..
تقول نوال: «مهما فعلتُ ... لم يكن كافيا لاقتلاع مكانة أراها عادلة» ...
من هنا بدأت صرخة نوال السعداوي ,.
ضدّ كل ما يقاوم منطق العدل والصدق بين البشر... تلك الخطوة الناقصة نحو الانسانية ... بدأت من أسرتها.
والدها كان عالما بالدين متنوّرا نقديا ، ووالدتها كانت مثقّفة من طبقة ميسورة، أخبرتها يوما بأن لا توجد نار أو جهنم ، فكلها رموز ...
والداها كانا سندا وحماية لها من مناخ عنصري مذهبي اصطدمت به في المدرسة ...
ولكن... بقي حجر وسط الطريق . «أخي كان مدلّلا أكثر مني ، لماذا ؟ كيف ونتائجي في المدرسة أفضل منه ؟ كيف وأنا التي أساعد أمي في أعمال البيت وأطبخ جيدا ؟؟» تستنكر السعداوي، وتتذكّر، وقد أخذ منها العمر مأخذًا، لتفهم دون أن تفهم، أن الحب لا يُشترى بما تُقدّمه من نفسك وجهدك ووقتك ومالك ... و مهما أفنيت عمرك في اختبارات النجاح والتحقق.
لم ينتبه أحد الى هذا، من الصحفيين والمثقفين الذين دعوها. كانت تهمّهم حربها المزعومة ضد الدين والحاكم ولتحرير «الجنس» حتى يبيعوا منتجًا ما ... لجمهور من المتعطشين .
من أسرتها، انطلقت صرختها ... وكذلك الأمر بالنسبة لي...
أسرتها ... كانت وجه الكثيرين ... وجه كل من ناضلت ضدّهم ولأجل عبورهم هذه «الخطوة الناقصة» ، لأجل ازاحة هذا الحجر اللعين .
كانت وجه الدولة التي تدّعي العلمانية ولا تتعلمن ... تخرج «بطاقة /أو كارطة» التقدم والتحديث وتملئ جيوبها الخفية ببطاقات أو «كوارط» الطائفية و»حدود الله والشرع» و»الخصوصية الثقافية والهوية « الوطنية أو القومية ... كلما اقتضى الأمر ذلك ... خاصة لإخفاء مرض الخوف على الشرعية ...
كانت وجه الرجل ... أو الرجال الثلاث الذين تزوّجتهم وطلّقتهم. كان أيضا ينقصهم خطوة نحو العدل والانسانية ... كانوا يرفعون رايات المساواة و»النسوية» والعلم والإبداع ولكن ... التجربة معهم كانت أكثر مرارة من أن ترويها السعداوي بتفاصيلها ... اكتفت بالاعتراف بهزائمها أمام النظام الأبوي ...
كانت وجه العالم ... الذي يدّعي التضامن وتوحيد المسارات وأنماط العيش بفضل العلم والتقنية ... ولكنه مازال ذكوريا ظالما بسياسييه وسياساته الاقتصادية وبلوبياته (جماعات الضغط) وكل مافيه لا ينفكّ يعمّق الهوّات.
كان هناك دائما شيء ما ... ينقص...
كتلات من الشعر الابيض الكثيف الذي تأبى تلوينه ... سنوات من السجن ... عشرات في المنفى وأخرى في الغربة (داخل وخارج الوطن) ... وطفل جريح مازال قابعا في دواخل السعداوي يبحث عن المثالية حتى مماتها.
من أسرتها، صرخت، حتى يُسمع صوتها ... ليس لأن أسرتها جاهلة أو ظالمة أو قمعية، بل بالعكس».
كان والداها يساندانها ويفرحان بكتاباتها الطفولية الواعدة .,.
كانت تصرخ لأن كل هذا الدعم لم يكن يكفي لإخفاء تمييزهم الواضح لأبنائهم الذكور. وعندما كبُرَت، صارت السعداوي ترى الذكر في كل شيء ...
في الله، في النظام، في المال، في الأديان ، في الرُسُلِ ...
ليس بعدائية أو كراهية ... ولكن بمحبّة من يعاتبك ليقول : «كان من الممكن أن تكون أفضل، أعدل، أسمى» ...
العالم شخوص رجالية رفضت التاريخانية وتتمسّك بامتيازات لم تكن لها منذ البدء ...
كل المقاومات الذكورية تتجلّى أثمانًا تدفعها بعض النساء بأشكال وألوان متباينة :
ان نجحت، فهي «قدعة» (قوية،صلبة) كالرجال .,. ولكنها ضمنيا رجل لا أنوثة مغرية فيه ... والاغراء هو من أجمل اللعب الانسانية اللذيذة الذي قد تُحرَم منها بعض النساء ... أما ان اعتنت بجسدها فذلك استلاب رأسمالي استهلاكي لعين ... تطول قائمة أشكال المقاومة ... منتجةً الوحدة والضجر والإخفاقات المتتالية ... مثلما تنتج نجاحاتٍ تكرّس طوق الابتعاد اكثر فأكثر عن « الآخر» ...
حيث أنّ هناك وزنًا مخيفا للنجاح والتميز ... لم تكن نوال السعداوي تريد حمله. كانت طفلا يريد أن يقول : كلّ ما أحلم به هو عالم انساني.
لست امرأة ... لست رجلا ... أنا نبتة، أو مثل النبتة، فيها فصيلة انثوية وأخرى ذكرية، يلتقيان لتستمر الحياة.
أنا لا أنكر الاختلافات الجنسية والبيولوجية ... لكن لا دين ولا قانون ولاعرف له الحق في أن يعتمد على اختلافي لجعله مستندا لمأساتي ...
وماذا أفعل في هذا العمر الذي « ضيّعته» في هذه النزالات ؟؟؟ ألم يكن كافيا حتى أصعد الى القمر... حتى أُبحِرَ، حتى أتمدّد بهدوء وبلاهة ؟؟ حتى أكتب عن حروب أخرى ؟؟ أهذا هو سجن الجنس المزدوج المتوالد ؟؟
حاولت نوال السعداوي، على مدار تجارب حياتها، الوصول إلى المسامحة والغفران، إلى إطفاء نار الغضب ... إلى تضميد جرح الطفولة ...
لكن يبدو أن الأمر كان أصعب وأعقد من هذا ... كيف أسامح أمّي وأبي وأخي و أزواجي ... ومن عشقتهم سرّا وعلانية ؟
قرأت السعداوي الدين، تركت الطبّ، سافرت وكتبت... علّها تصل الى «جوهر» انساني يبرّر النقصان والخذلان والحدود والحواجز، التي قد تكون كامنة في البشر... علّها تسامحهم ...
لكنها بقيت غاضبة ... حتى مماتها ... لم تُسامح، وان فهِمَت الكثير ...
جدّتها بقيت النقاء الوحيد في حياتها، مرآة ذاتها، نقطة البدء والعَودِ..
كفاح السعداوي كان من أجل أن تهدأ ... كان من أجل أن ترمي حجر الثورة بعيدا في البحر فترتاح... من أجل أن تجالس «العادية» المطمئنة ... لكن الغضب كان أقوى، كان آسرا وعميقا ... حولها إلى أيقونة عاجزة عن التراجع ...
و الغضب هو كذلك متخفٍّ جيّد، لاعبٌ ماكر، يعرف متى يعود، بعد أن يكون قد ترك فسحات صغيرة تفرح فيها ببعض الحب والجنس والأبناء والنجاحات والاشراقات ...
عاودها الغضب وأبت أن تستسلم «لمنطق» الحياة ...
والدي يقول « لا تطرحي الاسئلة التي لا اجابات عنها.» ولكن، هل نختار رحلة الشقاء ياعزيزي ؟ عندما تبدأ مبكّرا، فتجلس فينا ماردا مشعوذا مجنونا ...
عزيزتي نوال السعداوي ...
لم يعنِ لك الله يوما شيئا ... عدى الحب والصدق والعدل... منك وفيكِ.
ولم يعن لك الموت يوما شيئا ... أما كنت تقولين كـ «أبيقور»إنه لحظةٌ نجهلها مادمنا على قيد الحياة ؟ يعرفها من يبقون بعدنا ...
أحسّ في أعماقي أنك أدركت قدومه ... رأيتِهِ ربما ... ابتسمت بحزن ... تساءلتِ : هل أنا مستعدّة للرحيل؟ هل قلتُ كل شيء ؟ هل حاربتُ كما ينبغي؟ أين أثَرِي ؟ وتلك الصفعات التي لم أطلِقها ؟ وذلك الاشمئزاز الذي أخفيته أحيانا، مثل بعضِ الحبّ ؟ وهذا الغضب ، هل سيذهب معي؟؟
ومتِّ، مع السؤال ... كما به بدأتِ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا