برج بابل: دولة الحزب ودولة البرلمان

دولة الحزب هي الدولة التي من الصعب أن نفرق فيها بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الحزب، التداخل بينهما كبير وتبادل المنافع على أشدّه والتوازن بينهما يحقق نوعا من التواصل.

عندما تضعف الدولة لأسباب مختلفة تستدعي الحزب ليكون مساندا لها وعندما تحلّ الأزمة العامة يتولى الحزب ترتيب الأمور بحيث تستطيع الدولة ونظامها استرجاع زمام السيطرة. ويستفيد الحزب من جهته من منافع الدولة ويتولى توزيع الغنائم وتُبنى الولاءات المختلفة، فالحزب هو الدولة داخل المجتمع، هو الوسيط بين الدولة والمجتمع، هو الذي يُقنع ويُدمج ويُخيف من أجل استمرار الدولة وبالتالي استمرار النظام السياسي ومعه كل الموالين له من منظمات وتكتلات وأصحاب مصالح.

الانصهار بين الحزب والدولة جاء مباشرة بعد انتصار الحركة الوطنية وتحولها إلى فاعل من أجل بناء الدولة. زعامات الحزب وهم في نفس الوقت زعامات الحركة الوطنية، هذه الزعامات تواصل فعلها السياسي ضمن مؤسسات الدولة ودواليبها بالكيفبة التي يصعب معها الفصل بين هذه المكونات وبالتالي استحالة الذهاب نحو الديموقراطية. هذه العلاقة الشائكة بين الحزب والدولة أنتجت في البداية مشاريع مجتمعية على غاية من الجدية لم تكن الدولة لوحدها بقادرة عليها إذا لم يكن الحزب مرافقا لها ومتداخلا معها. ولكن هذه العلاقة يمكن أن تصل إلى آفاق مسدودة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية الكبرى وعند غياب المشاريع الكبرى، حينها يتدخل الزعيم ليعيد ترتيب الأشياء من جديد وتكون العملية غالبا التضحية بأحد الفاعلين أو بأحد الأجنحة في الدولة وفي الحزب. حدث هذا في تونس إثر أزمة التعاضد نهاية ستينات القرن الماضي.

ولكن الذي جرى في تونس في 2011 هو بشكل ما خلل في العلاقة بين الدولة والحزب، انحلال في العلاقة، لقد هُمش الحزب ولهذا لم يكن له دور في الأحداث، لم يستطع ترجيح الكفة، فانهار النظام ولحقه الحزب. فالثورة هي ليست سقوط نطام سياسي فحسب هي أيضا عنوان غياب ثقافة سياسية شكلت المشهد السياسي في كامل المنطقة لأكثر من خمس عشريات وهي ثقافة الدولة التي لا تستغني عن الحزب والحزب الذي يجب أن تكون له دولة. هنا المفارقة الكبيرة، كيف بمكن للثقافة السياسية أن تُدرك هذا الانفصال في وقت وجيز؟ ما الجهة التي ستعوض الحزب في علاقته بالدولة وقد دخلنا مرحلة جديدة من الانتقال الديموقراطي؟

يبدو أننا تحولنا من دولة الحزب إلى دولة البرلمان. والمقصود هنا بدولة البرلمان ذلك التداخل الكبير بين مؤسسات الدولة ومؤسسة البرلمان، بحيث لا يمكن الحديث عن عملية سياسية إذا لم يكن البرلمان هو حجر الزاوية فيها. إذ لا يمكن لمؤسسات الدولة أن تشتغل بالكامل دون أن يكون البرلمان قد وضع بصماته عليها. والدليل على ذلك أن هذه المؤسسة تتحكّم في التغييرات الحكومية المتعاقبة على حساب مؤسسات سياسية أخرى. لقد شاء النظام السياسي الذي وقع اعتماده وضع البرلمان في قلب العملية السياسية يوجهها ويختار لها المسارات، مثلما يُوجه تقريبا مؤسسات الدولة من خلال هيمنته على الحكومة ومكوناتها. هناك هيمنة للبرلمان وهناك مركزة للسلطة السياسية لديه بحيث لا أحد يتحرك دون أن يكون للبرلمان كلمته. يُذكرنا هذا الوضع عندما كان التداخل بين الحزب والدولة، إذ لا تستطيع هذه الأخيرة فعل أي شيء دون أن يكون للحزب رأي ودون أن يتولى بنفسه ضبط الخيارات. تتشكل داخل دولة البرلمان الأحزاب السياسية وتستقبل أروقته الخلافات السياسية التي من المفترض أن تكون خارج أسواره. تحتكر دولة البرلمان هذه كل الفعل السياسي تقريبا ولا يوجد ما يفيد أنها مؤسسة تشريعية إلا بالحدّ الأدنى.

في ديموقراطية تتحسس طريقها ليس من المجدي وضع السلطة السياسية بهذه الفاعلية في سلّة واحدة في حين تبقى المؤسسات السيادية الأخرى رهينة لها وخصوصا مؤسسات الحكم. تتطلب المرحلة توازنا بين السلطات، بل تتطلب أن يخصص البرلمان الوقت والجدية والمسؤولية الكاملة للتشريع والرقابة ونقاش المواضيع التي تصنع قوة الدّولة. دولة البرلمان مثلها مثل دولة الحزب لا يمكن أن تخلّف إلا الانحراف الديموقراطي وهو ما نعيشه الآن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا