منبــــر: من برودة أنسام غابة «فانسان» إلى لوافح هجير الصحراء الشهباء جدل الشرق والغرب في فكر توفيق بكّار

بقلم : وليد نعمان

1. على سبيل المدخل
عنوان المقالة مجتزَأ من درس عموميّ - هكذا كان يسمّى - افتَتَح به توفيق بكّار السنة الجامعيّة بكليّة الآداب بمنّوبة في شهر نوفمبر 1988،

عنوانه «في جدليات النصّ الأدبيّ»[شعريات، ج1]، وموضوعه بيت واحد حلّله مبنىً ومغنىً ومعنىً في حواليَ اثنتي عشرة صفحة، وهو بيت أبي الطيّب المتنبّي:
ذراني والفلاةَ بلا دليل *** ووجهي والهجيرَ بلا لثامِ
وهو البيت الثاني من ميميته الذائعة التي مطلعها:
مَلُومُكما يجلّ عن الملامِ *** ووقعُ فَعالِه فوق الكلامِ
وقد نظمها في مرضه بمصر.

ولمناسبة تحليل هذا البيت واقعة يذكرها توفيق بكّار، وهي على صلة بموضوعنا، يقول: «أمّا لماذا هذا البيت بالذات، فلا أدري سوى أنّه فرض نفسه عليّ فرضًا وأنا أفكّر في مادّة الدرس سائحًا، قبل أن تتعطّب رجلي، في غابة «فنسان» بضواحي باريس الشرقيّة. فلعلّه وليد حوار باطنيّ بيني وبين ذلك الإطار الطبيعيّ الظليل. فكأنّ الغابة الخضراء، غابتهم، قد ردّتني من حيث لا أشعر إلى صحرائِي الشهباءَ وردّتني برودة أنسامها إلى لوافح هجيري. قد يكون ذلك. والمهمّ أنّ هذا البيت على صغر حجمه قد انكشف لي عند البحث آيةً من الفنّ، ودنيا من المعاني. فأعطاني من نفسه فوق ما كنت أطلب وغمرني من الشعر بما كاد يَعيى المنهاجُ في سياسته».
وقيمة هذا الدرس في المدوّن من كتابات بكّار على غاية من الخطر، لأنّه تكلّم فيه عن محنة مهنة تدريس الأدب، وظنّية قيمته عند الدوائر الرسمية والأوساط الاجتماعية، ووطّأ فيه بكّار شرائط تلقّي النصّ وتعليمه في أسطر ثلاثة، يقول: «ودورنا أن نعيد إنتاج النصّ بتوليده من ذاته كأنّه ابن ساعته. نجدّد اختراعه لمريدي العلم طرفة من الأدب ومعنى من معاني الإنسانيّة. فنشدّهم به إلى أصولهم الثقافيّة ونرسّخهم في هويّتهم الحضاريّة. وفي نفس الوقت نزوّدهم من العلم ما به يجعلون التراث عيونًا حيّة والهويّة بناء حركيًّا».
ولن نخوض في لجج معاني بيت المتنبي التي فجّر بكّار عيونها، إنّما هو مطيّة توسّلناها لطرق مسألتين، الأولى: رمزيّة الصحراء ومنزلتها لدى توفيق بكّار، والثانية رؤيته للأصالة والمعاصرة، وسننظر في ذلك من خلال أهمّ مقدّماته وتحاليله.

2. منزلة الصحراء عند توفيق بكّار
إن الصحراء العربية من المحيط إلى الخليج مدخل أساسيّ لفهم فكر توفيق بكّار، وهي على حدّ تعبيره «كناية عن الدنيا» [تقديم من أساطير الصحراء]، وهو لا ينفكّ يستعيدها في تلقّيه النصوص، وهو يعرف الصحراء نصّا وحسّا، يقول في تقديمه للكوني: «أقبلتُ على الكُوني بكلّ معارفي عن الصحراء، من نصوص وصور وتجريب، وقد كان لي في بعض شواطئها أيّامَ الشباب مغامرة، فألفيتها كالتي أفدتُ من الكتبِ، وشاهدتُ على الشاشات، وخبرت عن كثب، وغيرها أخرى، عهيدة جديدة، قريبة بعيدة»[نفسه]، وتتلبّس الصحراء في لغته بجوارات ثلاثة: هي العشق، والبعث، والهويّة، وتذاب جميعا في تعابير شتّى، ففي العشق يترسّمها أنثى، فيرى في تردّد حرف الهاء في بيت المتنبي «صوت النفس وحسّ الهواء، وصوتها ناعم كنعومة أنفاس الحبيبة في وجه عاشقها فتكون برداً عليه وسلامةً»[في جدليات النصّ الأدبي]، وهي في تقديمه لأساطير الصحراء للكوني «فاتنة بشتّى ألوانها من الإلف والخُلف»[من أساطير الصحراء]، ولا تنفذ الصحراء من فروج أصابعه إلّا وقد ساق لها من الغزل رسما من الصور ووسما من اللفظ، فيحدّث عن «ذوب الحنين» و»اللقاء الحميم» [في جدليات النص الأدبي]، وانتبهنا إلى أنّ جذوة الحنين إلى الأرض يشتدّ شررها في النصوص التي كتبها بكّار في فانسان، حتّى أنّ خضرة حدائقها أعادته من حيث لا يدري إلى فلاته الجدباء.

والصحراء بعث للإنسان، وأيّ بعث: «بأنفاسها العظام تبعثه من مواته فتجدّد له العمر، وتذكي فيه بنيرانها جُذوة الطموح، وتُحيي روح المغامرات الكبرى»[نفسه]، أليست هي صحراءُ العريش في البعث الأوّل لأبي هريرة الذي فُتِن به بكّار، [حدّث أبو هريرة قال، حديث البعث الأول]ـ مذ جرى في دمه الترحال فهو كالماء يجري «دائم التطواح، لا يني، «على قلق كأنّ الريح تحته»، وهي الصحراء التي سيبعث فيها من بين الأموات، و»تهزّه رياحها بعيدا عن أباطيل الحواضر»، «له في نارها دفء العشيرة، وفي برد لياليها كبرد اليقين للسائل الحائر» [في جدليات النصّ الأدبي].
وما الصحراء هويّةً، إنّما هي الهويّة، الأصل الأصيل، «فللصحراء في أرضنا وسعها من المدى، وفي ثقافتنا آيات، مهد الشعر، ومهبِط الوحي، مبعث الإسلام وحضارتِه الكبرى التي بها تخلّقنا على مرّ القرون» كذا يقول في تقديم أساطير الصحراء، تلك صحراء ليببيا وهي امتداد لصحراء تونس، يقول عن رواية «مانعة» لمصطفى الفيلالي: ««مانعة» قطعة من أرضنا الساخنة، منبت من منابت الشعب، نفس من روحه الحَرّى، نبذة من بشريّتنا الثرّة.»

والصحراء أنبتت اليوم كتّابًا من خيرة المبدعين، كما يقول بكّار، «الطيّب صالح في سودانه، و«الكوني» في ليبيائه، وفي تونسنا المسعدي فقيدنا، وإن كان من أهل القرى في الشمال، ألهمته، وحسبنا أبا هريرة وقصّته. فإنّ ثلاثتهم لمن ألمع وجوه أدبنا الحديث، وما عرضًا ذكرناهم معًا، فبينهم من وجوه الشبه في ما كتبوا ما لايخفى عن نظر الفاحص»[من أساطير الصحراء]، ولعله وجه الشبه هذا ماثل في اعتباره أدبهم أنموذجا في جدل الأصالة والمعاصرة.

3. جدلية الأصالة والمعاصرة
لا يكاد يخلو تقديم من تقديمات توفيق بكّار لعين من عيون المعاصرة أو تحليل لنصّ من التراث أو من الحديث من تحكيم لجدل الأصالة والمعاصرة واحتكام لها.
وقد حرص توفيق بكّار على رفع وهمين من أوهام الحداثة الخمسة التي تكلّم عنها أدونيس في بيانه [بيان الحداثة 1992] – وبكّار قرأ جيّدا لأدونيس، حتّى إنّه عنوَن أحد تحاليله بعنوان أطروحته «الثابت والمتحوّل» وأشار إلى ذلك– والوهمان أحدهما هو وهم الزمنية الذي يميل أصحابه إلى ربط الحداثة بالراهن من الوقت، فيعتبرون أن ما يحدث الآن «متقدّم على ما حدث غابرا، وعلى أن الغد متقدّم على الآن» [نفسه: 22]، وغفل هؤلاء عن أنّ الحداثة غير متساوقة بالضرورة مع حداثة الزمن، فثمة حداثة ضدّ الراهن، وحداثة تسبقه، وحداثة أخرى تخترقه، يقول أدونيس: «حين يهزّنا اليوم شعر امرئ القيس مثلا أو المتنبي، فليس لأنّه ماض عظيم، بل لأنّه إبداعيا يمثّل لحظة تخترق الأزمنة» [نفسه: 23] فالحداثة خَصِيصة في بنيتها ذاتها، وفي هذا المنظور يعتبر أدونيس أنّ امرأ القيس في كثير من شعره أكثر حداثة من شوقي في شعره كلّه، وكذا في شعر أبي تمام حساسة حديثة ورؤيا فنية حديثة لا تتوافران عند نازك الملائكة» [نفسه: 23]، ونجد هذا التقييم عند بكّار في تحليل لنونيّة عنترة بن شدّاد التي مطلعها:
يا طائر البان قد هيّجت أحزاني *** وزدتني طربا يا طائر البان

إذ يقول في نهاية التحليل، التي كثيرا ما تكون مناسبة للردّ على أدعياء الحداثة، بعد أن يسفر عن مكامن الجمال والإبداع في النصوص: «وذهب بشّار، وذهب المال، وبقيت أعماله، وبقي الجمال، رائق من غزل الأفذاذ، قديم وله جدّته ما أبلاها الزمان» وينكر في تعجّب على روّاد الشعر الحديث إدانتهم القصيدة القديمة برتابة إيقاعها، وإشاحتهم عن مكامن الإيقاع في أحشائها، ثمّ يقول: «والحقّ أنّ حال المحدثين كحال المقلّدين لم يروا جميعًا من كبار قصائدنا القديمة إلّا الأشباح، أي أشكالها النظميّة الظاهرة لا الشاعريّة الكامنة في أعماقها»[الغناء على الغناء].
والوهم الثاني الذي أنكره بكّار سمّاه أدونيس بوهم المماثلة، وأصحابه يرَون أنّ الغرب مصدر الحداثة، «ومن هنا ينشأ وهم معياري تصبح فيه مقاييس الحداثة في الغرب مقاييسَ للحداثة خارج الغرب»، وهو الموقف الذي أنكره بكّار كثيرا واستنكره، ففي ختام تحليله لنونية بشّار الذائعة:
وذاتِ دلّ كأنّ البدر صورتها *** باتت تغنّي عميد القلب سكرانا

يقول: وما عجبي، مرّة أخرى، إلّا من رؤوس المحدثين اليوم، اتّهموا القصيدة العربيّة، أوّل ما طلعوا، بأنّها شعر أبيات، تعوزها «الوحدة العضويّة» في التركيب، وبأنّ خيالها «لفظي بياني»، لا «فنّي أسطوري»، كخيال اليونان؛ ورتيبة اللحن لوحدة القافية، لا تعرف التأليف السنفوني، كشعر الغرب.
ربّ «حداثة» تعمي وتصمّ. أم بات ازدراء الذات عندنا شرطًا واجبًا لكلّ دعوى من دعاوى التجديد؟» [الغناء على الغناء]
وهذا يفسّر أثر «حدّث أبو هريرة قال...» في نفسه: «فبينا خيرُ كتّابنا يكدّون قرائحهم لتملّك وسائل الرواية الغربية، وقد يئسوا من موروثهم القصصي واقتنعوا بأن لا معاصرة إلّا ما صوّر الغرب.. رفض المسعدي أن ينقطع عن أصوله الثقافية ليغترب في صياغات الغير»[مقدّمة حدّث أبو هريرة قال...].

فأيّ حداثة ينشد بكّار؟

لا يمكن نزع تصوّره عن مفهوم صميميّ هو مفهوم جدلية الأصالة والمعاصرة، «الجدلية» مصطلح محايث في لغة بكّار لكلّ ثنائيّة ضديّة، وهي تجاوز قصديّ لمفهوم الصراع والنزاع، هي مرادف حرفيّ للحواريّة التي تبني، لا الصراعِ الذي يهدِم، هي حواريّة لا متأسلفة ولا متمغربة كما يقول أدونيس، وبهذا تقتضي الحداثة وعي الذات بمكتسبها التاريخيّ التراثيّ أمام الآخر، وعيَ نقدٍ لا وعي استلاب، إذن هي تناصّ أيضا، لذا يجد توفيق بكّار في شعر الشابي «نَفساً فرلينيا»، ولم يعرف الشابي فرلين [على سبيل المدخل إلى شعريّة الشابّي، صلوات في هيكل الحبّ]، ويعتبر ذهاب المتنبي للفلاة «رومنسيّة أصيلة قبل الدخيلة» [في جدليات النص الأدبي]، ولا عرف المتنبي الرومنطقية، ويرى في رواية «مانعة» لمصطفى الفيلالي حوارية كحوارية باختين، والفيلالي «لا يعرف باختين»، «وانزع النقاب عن «غيلان» فتجد وجه بروميثي/ بروميثيوس، وعن أبي رغال فترى صورة»كليكولا»[مقدّمة مانعة]، وهكذا، وعلى ذلك صدّر بكّار الجزء الأوّل من الشعريات بتصديرين في معاقد النقد، أحدها للجرجاني، والآخر لياكبصون.
وفي تقديمه لأطروحة خالد الغريبي «جدلية الأصالة والمعاصرة في أدب المسعدي» اعتبر أنّ الغريبي رام من نصوص المسعدي أخطر مفصل من مفاصلها «ذاك الذي يشدّ سائر أقسامها، ويجمع شتات كيانها، نقطة التئام الأجزاء في الكلّ، بؤرة التأليف، بل بوتقة الخلق» ويرى أنّ كلّ نصوص المسعدي «تلعب على هذه الجدلية، فبلاها لا يفهم شيء من أشكالها وأشخاصها، ولا من المكان والزمان، ولا من المعاني».

والحوارية التي ينشدها بكّار ليست حوارية بين الشرق والغرب فحسب، بل هي حوارية في الزمان أيضا، بين الراهن والماضي، لذا أشاد برواية «مانعة» للفيلالي، واعتبرها حدثا روائيا، لأن الكاتب «مزج بالأصيل الدخيلَ مزجا خلّاقا تغذو به الذات فتقوى، ولا تتقرّد فتُمسخُ».
وهذه الجدلية ليست موقعا جاهزا تطمئن إليه النفس، وإنّما لا تخلو من خطر، وتمزّقٍ مضنٍ أحيانا، يوصّفه بكّار في تحليل بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» مصطفى سعيد الذي اعتبره صورة قصوى منّا جميعا «فهو في النهار سوداني وفي الليل بريطاني يريد أن يعيش على حضارتين وأن يبصر الحياة بعينين ويترجم عنها بلسانين، فيرى الأسود والأبيض والشرق والغرب في نظرة واحدة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا