نحن والعالـم والأزمات الاقتصادية

نعيش اليوم على وقع الأزمات المتعددة والمعقدة للجائحة الصحية التي تتحدى اليوم قدرة الإنسان والعلم على الصمود، وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية المدمرة .

وقد تمكنت الدول المتقدمة من توفير إمكانيات ضخمة من أجل مواجهة الجائحة وانعكاساتها الصحية والاقتصادية والاجتماعية .فقد قامت المؤسسات الصحية والاقتصادية الصلبة في هذه البلدان بلعب دور كبير في دعم دولها من اجل الوقوف إلى جانب مجتمعاتها واقتصادياتها لدرء المخاطر وإبعاد شبح الإفلاس .
ففي البلدان الأوروبية وقفت مؤسسات الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي بصفة كبيرة إلى جانب الدول بتوفير إمكانيات ضخمة لمواجهة هذه الأزمات غير المسبوقة في تاريخنا المعاصر .
وقد عرفت البلدان المتقدمة الأخرى والكثير من البلدان الصاعدة نفس الهبة من المؤسسات المالية والبنكية للوقوف إلى جانب الدولة ودعم جهودها للوقوف أمام هذه الأزمات .
إلا أن البلدان الفقيرة والمتوسطة ومن ضمنها بلادنا لا تمتلك صلابة المؤسسات المالية والبنكية للبلدان المتقدمة للوقوف إلى جانب دولها في مواجهة هذه الأزمات .ولئن وجدت البلدان الفقيرة شيئا من الدعم من قبل المؤسسات المالية الكبرى والدول المانحة للتخفيض من حجم العبء المالي عنها فان الدول المتوسطة ظلّت تتخبط لوحدها في مواجهة هذه الأزمات .

فقد قامت المؤسسات المالية الكبرى كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعتي العشرين والثمانية بعديد المبادرات لفائدة الدول الفقيرة مثل تأجيل دفع خدمة الدين إلى نهاية سنة 2020 وتوفير تمويلات اضافية للوقوف إلى جانبها في هذه الظروف العصيبة .ورغم أهميتها اعتبر الكثير من الملاحظين أن هذه المبادرات غير كافية وطالبوا بالمزيد من الدعم من اجل الوقوف إلى جانب هذه الدول .فقد طالب العديد من الخبراء والملاحظين بتأجيل دفع خدمة الدين إلى نهاية سنة 2020. بينما طالب آخرون بفسخ ديون البلدان الفقيرة نظرا للظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم جراء الجائحة والأزمات التي تسببت في ظهورها .
إذن لقيت البلدان الفقيرة آذانا صاغية من قبل المؤسسات المالية العالمية والبلدان المتقدمة للوقوف إلى جانبها في مواجهة هذه الأزمات الصحية والمالية والاقتصادية .وبقيت البلدان المتوسطة مثل بلادنا تتخبط بطريقة منفردة في الأمواج العاتية لمواجهتها ومحاولة السيطرة على مسار بلادنا .فالبلدان المتوسطة لا تتمتع بمؤسسات صحية واقتصادية صلبة تمكنها من الصمود والوقوف أمام هذه الأزمات.فأسواقنا المالية لا تتمتع بالعمق الكافي ولا تتوفر لدولنا الحاجيات الضرورية من أجل انقاد الاقتصاد والمجتمع .كما أن البنوك والمؤسسات المالية ومن ضمنها البنك المركزي ليست بالصلابة والقوة الكافية التي تمكنها من توفير التمويلات الضرورية للمالية العمومية .

ومن جهة أخرى تدخل البلدان المتوسطة في خانة البلدان التي لا تتمتع بالأولوية للحصول على دعم المؤسسات المالية الدولية والبلدان المانحة .وقد اضطرت هذه البلدان في السنوات الأخيرة إلى التوجه للأسواق المالية العالمية من أجل تمويل حاجياتها .
إذن تجد البلدان المتوسطة نفسها في وضع صعب فمن ناحية مؤسساتها المالية ليست بالصلابة التي تمكنها من الوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة بطريقة كبيرة ومن ناحية أخرى فهي لا تتمتع بأولوية لدى المؤسسات الكبرى والدول المانحة .فتضطر إلى مواجهة الأزمة في ظروف صعبة وبالاعتماد على إمكانيات ذاتية محدودة وبعيدة كل البعد عما تتطلبه التحديات الحالية .
وفي رأيي لا يجب للبلدان المتوسطة ومن ضمنها بلادنا أن تستسلم لهذا الوضع وهذه العزلة التي تعيشها في هذه الظروف العصيبة . ولابد أن تكسر هذا الجدار من خلال محاولة الانفتاح على العالم والقيام بالمحاولات واخذ المبادرات الضرورية لفك العزلة ومحاولة حشد العالم لدعمنا في هذه الظروف الصعبة .
ويمكن لنا أن نجند العالم لدعمنا والوقوف إلى جانبنا من خلال إستراتيجية نشيطة للتعاون الدولي ترتكز على ثلاثة محاور أساسية.
المحور الأول يهم التعاون الثنائي .وهنا لابد لنا تكثيف اتصالاتنا مع البلدان الصديقة الغنية،منها مثل البلدان الأوروبية والبلدان الخليجية .ويمكن أن نتدارس مع هذه البلدان مقترحين هامين : الأول يهم تأجيل دفع الدين مع البلدان التي لنا معها ديون وإمكانية الحصول على دعم مالي بالنسبة للبلدان التي يمكن لها أن تقدم لنا هذا النوع من المعونات.والتوجه لهذه البلدان باعتبار أن البعض منها وخاصة فرنسا أشارت في عديد المناسبات وعلى لسان رئيس جمهوريتها ايمانويل ماكرون استعداداها للوقوف إلى جانب البلدان النامية لدعمها في هذه الظروف العصيبة .كما يمكن لنا أن ندرس مع هذه البلدان إمكانية تحويل جزء من هذه الديون إلى استثمار خاصة في الميدان الصحي .
المحور الثاني في مجال العمل على تعبئة التعاون وحشد الدعم إلى بلادنا يهم المؤسسات الدولية والتي بقيت علاقاتنا معها محدودة ومحتشمة بالرغم من المجالات التي فتحتها لدعم البلدان النامية في هذه الجائحة .وأود التوقف في هذا المجال عند علاقتنا مع صندوق النقد الدولي والذي يعتبر البوابة التي ندخل منها إلى الأسواق المالية العالمية .وقد ارتكبنا خطأ جسيما في قرارنا بإيقاف برنامج الصندوق منذ أشهر وتحويل ما تبقى من تمويل إلى دعم استثنائي لمحاربة الكورونا.والخطأ يكمن في أن إيقاف هذا البرنامج تركنا دون حماية وسيمنع علينا التوجه إلى المؤسسات المالية الأخرى وسيجعل الخروج الى الأسواق المالية العالمية مكلفا وباهضا .هذا علاوة على ان إبرام اتفاق جديد يتطلب وقتا كبيرا من التفاوض مع هذه المؤسسة مما سيزيد الوضع العام وصعوبة التنقل تعقيدا .

لكن وبالرغم من هذه الصعوبات فانه لابد في رأيي من الانطلاق بسرعة في الإعداد لمفاوضات جديدة مع صندوق النقد الدولي في حيز زمني قصير .
وهذا يتطلب منا توفير الظروف الملائمة لهذه المفاوضات من تثبيت للاقتصاد والبدء في القيام بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية.
وفي نفس الوقت يمكن لنا التسريع بنقاشات مع المؤسسات المالية الدولية الأخرى كالبنك الدولي والمؤسسات الإقليمية الأخرى كالبنك الإفريقي للتنمية والبنك الإسلامي وعديد المؤسسات المالية الخليجية الأخرى .وهذا التسريع في التشاور وطلب الدعم لا يمكن ان يقتصر على أعضاء من الحكومة بل يجب أن يمتد كذلك إلى أعلى مستويات السلطة التنفيذية والتي لابد لها أن تقوم باتصالات في أعلى مستوى مع المؤسسات العالمية .ولابد في هذه المجال من دعوة البلدان الصديقة والأعضاء في هذه المؤسسات لدعم بلادنا ودفع مقترحاتها داخل هذه المنظمات .
المحور الثالث الذي يمكن لنا الاشتغال عليه لحشد الدعم لبلادنا يهم المبادرات التي يمكن أن نطلقها إلى جانب بعض البلدان التي تقاسمنا نفس الظروف الاقتصادية .وهنا يمكن أن نشير إلى المبادرة التي أطلقها المغرب في الموجة الأولى للجائحة في شهر أفريل عندما جمع عديد البلدان الإفريقية في إطار مبادرة للتقليص من عبء المديونية .

يمكن لنا القيام ببعض المبادرات في هذا المجال وتجميع بعض البلدان حولها للضغط على البلدان المانحة والمؤسسات المالية العالمية لأخذ ظروفنا بعين الاعتبار .من هذه المبادرة يمكن أن أشير إلى مقترحين . المقترح الأول يهم دعوة بلدان الاتحاد الأوروبي والتي تمكنت من تخصيص جزء ولو بسيط منها لمبادرة متوسطية لدعم القطاع الصحي في الجنوب .المقترح الثاني يخص دعوة البلدان الأوربية بالتنسيق مع البنك المركزي الأوروبي وكبرى البنوك الأوروبية الأخرى لوضع ضمان يمكن أن تلجأ إليه بلدان جنوب المتوسط للخروج الى الأسواق المالية الأوروبية بتكلفة أقل . هذه المبادرات يمكن لها أن تمكن بلداننا من حشد الدعم وفي نفس الوقت يمكن أن تذيب الجليد في العلاقات بين جنوب وشمال المتوسط .
تعيش بلادنا اليوم في أصعب الظروف الصحية والاقتصادية والاجتماعية في تاريخها المعاصر .والى حدّ اليوم بقينا في تقوقعنا ونحاول مواجهة هذه الظروف بإمكانياتنا الذاتية والتي بدأت تنفد بطريقة سريعة .إن هذا الوضع يتطلب منا اليوم الخروج من هذه العزلة والقيام بديبلوماسية نشيطة لحشد الدعم والتعاون الدولي لفائدتنا للخروج من هذه الأزمة الخانقة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا