الذبيح المعاصر التلقي الفايسبوكي الإسلامي وإعادة إنتاج الإرهاب

بقلم: رامي البرهومي

ككلّ أحداث الإرهاب الديني أو أعمال العنف الطائفيّة، فإنّ الرأي العام يتجه عادة نحو استشراف المابعديات أو النتائج

الّتي قد يسفر عنها حدث إرهابي ما، وتتعلق هذه المابعديّات والنتائج عموما، بحزمة الإجراءات ذات الطابع السياسي والأمني والاقتصادي التي تهدف إلى الحدّ من هذه الظواهر وزجر مرتكبيها. كما تعقب الأحداث الإرهابيّة جملة من الدراسات العلمية والتحليليّة التي تسعى إلى توظيف المنجز العلمي نحو دراسة هذه الظاهرة وفهمها وتفكيك أصولها وأسبابها السوسيو-ثقافية والاقتصاديّة والسياسيّة. لكن ما يغلب على هذه الدراسات، عمومًا هو اكتفاؤها بتفكيك الأصول الفكرية-النصيّة لهذه الأعمال وتحليل أعمال الإرهاب باعتبارها طقوسا دينية حديثة يمثّل الموت قطب رحاها، ويتمّ ربطه عادة بأسباب أو عوارض سيكولوجية مثل شهوة التدمير والوهم وعقدة الخصاء والهويات المأزومة… الخ.
وإذا اعتبرنا أنّ أيّ عمل يمكن أن يندرج في خانة العنف المقدّس لابدّ وأن يكون ثلاثيّ الأقطاب؛ المدبّر والمنفّذ والمتلقّي الذي سيتفاعل مع هذا العمل بالإدانة والتنديد أو بالمباركة والترحيب، فإنّ ما يغيب عن الدراسات السابقة هو تجاهلها لجملة المواقف والآراء والانفعالات الّتي يمكن أن تتولّد عن ذلك العمل، خصوصا ونحن نعيش في عصر الرقمنة الحديثة التي تساهم بشكل مهمّ للغاية في بناء الذات وتكوين الشخصيّة.


لقد تحدث جون روبار ياوس كثيرا عن جمالياّت تلقّي النصوص الأدبيّة ورأى أنّ المتلقّي له دور بارز وأساسيّ في تشكيل معنى النصّ الأدبيّ والتفاعل مع معانيه. إنّ التلقّي هنا باعتباره عمليّة تفاعل وبناء تشاركيّ لا يقتصر على النصوص الأدبيّة فحسب وإنّما هو سمة للظواهر الاجتماعية ككلّ الّتي تُبنى بالتفاعل بين جملة من الأفراد وهو ما سماه إرفيغ غوفمان «نظام التفاعل». ولكلّ جماعة تأويل وبناء للمعنى خاص بها إزاء أيّ واقعة اجتماعيّة أو سياسيّة. وبالعودة إلى الجريمة التي حصلت في فرنسا والتي اهتزّ لها الرأي العام الدولي، فإنّه من المهم أن نتفحّص طبيعة ردود الأفعال الإسلاميّة إزاء هذا الحدث وخصوصا لدى فئة الشباب من رواد شبكات التواصل الاجتماعي؛ فايسبوك وانستغرام وتويتر… الخ
يعود سبب اهتمامنا بهذه الشريحة الاجتماعيّة إلى سببين اثنين متلازمين؛ أوّلهما يتمثّل في أنّ الشباب الذي ينتمي إلى الإسلام ثقافة أو دينا يمثّل أحد أهمّ الأطراف التي تلقّت هذا العمل الإرهابي وتفاعل معه، ولئن وجدت الآراء المعارضة والمندّدة، فإنّ اللافت للنظر كثرة المواقف المتّسمة بنوع من المباركة والتشفي وإبداء الارتياح الناتج عن الانتقام، بل وتبريره

استنادا إلى مصادر إسلاميّة نصيّة. وهذه الآراء التي تنوس بين المباركة الصريحة والمناصرة الضمنيّة تمثّل إشكالا حقيقيّا يؤهّلها لأن تكون محضنا خصبا للدعوة إلى ثقافة العنف والإرهاب. أما السبب الثاني فيتمثل في أنّ ردود الأفعال التي تهمّنا، بنيت في فضاءات التواصل الاجتماعي التي تطرح قضيّة أساسيّة تمسّ طبيعة هذه الآراء والمواقف من جهة طابعها الجماهيري القائم على الانفعال وتجييش العواطف وإشباعها الذي ينأى بها عن كلّ أشكال التفهّم والتعقّل والرصانة، ويجعلها فضاء لتمرير الدعوة إلى العنف المقدّس تمريرا ناعما إلى فئات ذات مستوى تعليمي متوسّط يسهل اختراق جدار وعيها خصوصا حين يكون ذلك تحت الانتصار للدين والدفاع عن المقدّسات.

يعتبر فتحي المسكيني أن كل أعمال التطرف والإرهاب إنما هي أعمال انفعالية لا تستند إطلاقا إلى الفكر وحدوده ومقولاته. وإذا انطلقنا من هذا التوصيف الذي يولي أهميّة كبيرة للجانب الانفعالي العاطفي، فإنّه من الضروريّ أن نتفحّص خصوصيّة الأطراف الثلاثة التي أشرنا إليها سابقا داخل هذه العملية الانفعاليّة؛ فالمدبّر أو المنظّر أو الباحث عن المؤصّل للعنف المقدّس هو ذلك الذي عرّفه المسكيني كالتالي «من يكتب نصوصَا تدعو إلى التطرّف لا يفكّر بل فقط يحبّر سرديّة من الانفعالات الحزينة للرهط الذي يخاطبه»، أمّا المنفّذ فهو الطرف الوسيط الذي يحوّل «الانفعالات الحزينة» إلى أعمال عنف وإرهاب تجاه الأخ، وقد تناول فتحي بن سلامة هذا الطرف بالدرس وانتهى بعد تحليل العديد من الحالات السريريّة إلى أن المسلم يعاني مما سمّاه» المسلم الأعلى»، وهي حالة نفسية يغرق فيها المسلم في عذابات لا تنتهي ويعتقد فيها أنّ إسلامه في حاجة إلى الكمال وعليه أن يكون «أكثر إسلاميّا» من خلال المطالبة بعدالة هوويّة والرغبة «الهوجاء» في التخلص من العار والدونيّة من خلال حماس ديني مفرط يقوده مباشرة إلى دائرة العنف والموت.

لا يتيح لنا المقام الإطناب في التعرف على سيكولوجية الإرهابي ولكن حسبنا الإشارة إلى أهميّة المطالبة بالعدالة الهووية وأهمية الحماس الديني وهما عنصران مهمّان في التعرّف على طبيعة ردود الأفعال التي «باركت» الجريمة وبرّرتها. فماهي العوامل النفسية التي ساعدت في بناء مثل هذه المواقف؟ وكيف تساهم فضاءات التواصل الاجتماعي في إعادة إنتاج الإرهاب وتبرير العنف؟

ربما علينا أن نجيب عن السؤال الثاني في البداية حتى يكون معبرا للسؤال ّ خصوصا وأنّ بعض العوامل النفسيّة هي نتاج التأثير التي تمارسه فضاءات التواصل في الأفراد من جهة بناء الآراء والمواقف والردود.

تحدثت دراسة سويسرية نشرت سنة 2017 عن ظهور ما يعرف ب»الجيل زاد» أو «génération Z» وهي الشريحة الاجتماعية التي ولدت عموما منتصف تسعينات القرن العشرين، وهذه الشريحة التي تمضي ما يقارب 60٪ من وقتها أمام شبكات التواصل الاجتماعي المتنوعة تتميز بسمتين اثنتين؛ أنّها لا تهتم بالحدث الواقعي مالم يتحدث عنه افتراضي، وهي قادرة على بناء موقف في أقل من 8 ثوان، وهو ما يجعل مواقفها عادة راديكاليّة إمّا برفض حدث ما أو قبوله، وتمثّل هذه الراديكاليّة خصوصيّة ثقافة العنف التي تقوم على منطق «مع أو ضدّ» بعيدا عن كلّ أشكال التعقّل.

تنتمي ردود الأفعال التي باركت عمليّة ذبح الأستاذ الفرنسي وبرّرته ورأت فيه عدالة وإنصافًا إلى «الجيل زاد»، وإذا استثنيا بعض الردود السياسيّة أو تلك التي تحسب على بعض التيّارات الأصوليّة أو حتّى التقدميّة في العالم الإسلامية، والتي أدانت الرسوم الكاريكاتوريّة لصحيفة شارلي هيبدو ولم تدن إطلاقا جريمة الذبح، فإنّ أغلب المواقف التي ناصرت عمليّة الثأر هذه كانت من طرف شباب ينتمي إلى هذا الجيل على الرغم من تفاوت المستويات التعليميّة بين المتوسطة والمتقدمة.

لقد بنيت أغلب ردود الأفعال المناصرة والمبرّرة لهذه الجريمة مباشرة إثر رواج الخبر فايسبوكيا، على جدران إعلانيّة صدّرت الخبر بجمل من قبيل « إثر عرضه لرسوم كاريكاتورية للرسول تلميذ يذبح أستاذه» أو «رسوم مسيئة للنبيّ تتسب في جريمة ذبح»، ومن المعلوم أن صناعة الأخبار والإعلانات تخضع لاستراتيجيّات مخصوصة تكون عادة خاضعة لتوجّهات معيّنة تسعي إلى ترسيخ خبر ما في لاوعي القارئ أكثر من الخبر الذي يستتبعه أو يرتبط به وإعطائه أوليّة وأفضليّة، والنموذجان اللّذان قدّمنا دليل كاف على ذلك، إذ عمدت بعض الإعلانات على هندسة بصريّة لإعلاناتها تعلو فيه جملة «الإساءة إلى الرسول» على جملة «ذبح الأستاذ» وكأنّ خبر الإساءة هو الأساسي وخبر الذبح هو الثانوي الفرعي. مثل هذا التوزيع البصري لأخبار الجريمة من شأنه أن يوجّه القارئ نحو تفاعل معين تكون فيه الأوليّة لنقاش الإساءة للنبي. إنّ صناعة خبر موجّه مثلما ذكرنا لا يتفطّن إليه القارئ العادي الذي لن يهتمّ بالجريمة التي حدثت بقدر ما ستتأجّج لديه حماسة دينيّة تقوده نحو الخوض في مسألة الاعتداء على المقدسات وما تفرضه من عقوبات على المعتدي تصل حدّ الموت وبالتالي يصبح خبر القتل بالذبح أمرا عاديّا بل ومحمودًا لأنّه انتصر لرمز دينيّ لا يجوز المساس به.

من جهة أخرى، فإنّ الشباب المسلم يعاني من حالات انكسار متتالية في واقعه السياسيّ والاجتماعي والاقتصادي تزيد من رغبته في إنتاج قوّة فوق دينيّة تعيد ربطه بالمقدّس السماوي وتخلّصه من حالة الانبتات الأرضي. حالات الانكسار الواقعي هذه، يرى الشباب المسلم، نتيجة لاعتبارات تاريخيّة عدّة، بوعي أو دون وعي منه، أنّ «الآخر الغربي» بما هو هويّة سبب رئيسيّ فيها، وبالتالي فإنّ المطالبة بالعدالة الهوويّة لابدّ وأن تقوم على الرغبة والانتقام، وما «مباركة الجريمة» التي قام بها التلميذ الشيشاني إلاّ قبول ببطولة فرديّة تعبّر عن رغبات جماعيّة تطالب بالانتقام من أجل ندّية حضاريّة وهوويّة.
أخيرا، يمكن القول إنّ ما تتّسم به طبيعة فضاءات التواصل الاجتماعي من أنشطة جماعيّة من نشر للإعلانات وتقاسمها ونشرها والتعليق عليها يساهم في خلق فورة التعصّب والانصهار في الجسم الجماعي الذي يساهم في ذوبان الفرد في الجماعة، ويرسم لها صورة ذهنيّة مخصوصة عن نفسها وعن العالم قوامها الثأر واستعادة «رأس المال الرمزي»، كما يمكن أن

تعزّز انتشار مقولات «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» وحديث الفرقة الناجية والاعتصام بحبل الله…. وبالعودة إلى تلك الردود التي قرأناها فإنّ التحريض على أعمال العنف والانتقام يمرّر بطريقة لاواعية ثقافة العنف والإرهاب تمريرا تنصهر في الذات داخل الجماعة وتدافع فيه عن قضايا قد لا تعلم عنها إلا النزر القليل أو قضايا تمسّ من رموز دينية يؤمن بها الفرد إيمانا دوغمائيا نقليّا تراثيا….. ومن هنا ينشأ «الجهل المقدس» …. ليصنع «هويّات قاتلة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا