مقترح تسهيلات الصندوق أو تمويل العجز الظرفي

بقلم: توفيق الراجحي
قدمت اقتراحا منذ شهر فيفري، لمواجهة خطر الكورونا، بشكل مباشر إلى رئيس الحكومة ووزير المالية السابق ونشرته على صفحتي عديد المرات ويتمثل أساسا

في اصدار مرسوم يحتوي فصلا وحيدا يمكن الدولة من الحصول على تمويل مباشر موسمي في شكل تسهيل للخزينة يضبط بقواعد واستشهدت بالتجربة المغربية والمصرية وحتى فرنسا قبل انشاء البنك المركزي الأوروبي ولكن لم يصدر المرسوم ولكن العديد تبنوا المقترح وتداولوه ولكن بإخراجه من اطاره وأصبح يقدم على أساس المس من «استقلالية» البنك المركزي وتشريع للتمويل المباشر لعجز الميزانية مما سيؤدي الى تسييس السياسة النقدية. دون الخوض في مسألة «استقلالية» البنك المركزي لأنها تطرح بشكل مغلوط في تونس أود ان أوضح ما يلي:

1) المقترح هو تنقيح الفصل 25 من قانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 فريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، والذي نصه: «لا يمكن للبنك المركزي أن يمنح لفائدة الخزينة العامة تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض أو أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة»، بحذف فقط «أن يمنح لفائدة الخزينة العامة تسهيلات في شكل كشوفات و قروض» وتعديل الفصل ليصبح «لا يمكن للبنك المركزي أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة و يمكنه تقديم تسهيلات في شكل كشوفات للخزينة لتغطية العجز الظرفي في الميزانية ، على ألا تتجاوز قيمة هذا التمويل 5 - 10 ٪ من متوسط مداخيل الثلاث سنوات السابقة وتكون مدة هذا التمويل ستة اشهر قابلة للتجديد تسدد بالكامل خلال اثني عشر شهرا على الأكثر من تاريخ ترسيمه، وتحدد الشروط الخاصة بهذا التمويل بالاتفاق بين البنك المركزي ووزارة المالية على أساس أسعار الفائدة السائدة بالسوق».

2) أولا المقترح مبني على شرح للأسباب مرتبط بالحاجيات الظرفية وليست الهيكلية للميزانية وقد كانت أثار الكورونا على الاقتصاد في تطوراته الأخيرة مثالا مقنعا لاحداث مثل هذا التنقيح. فالحجر الصحي والإبعاد الاجتماعي بحثا عن تسطيح منحنى انتشار الوباء أدى الى خسارة ظرفية في المداخيل الجبائية قدرت سنة 2020 ب 6 ألاف مليار. فإيقاف النشاط الاقتصادي بعديد اشكاله يعني توقف الإنتاج والخدمات وتراجع المداخيل المالية للأفراد والشركات والدولة. عندما يكون للأفراد والشركات والدولة مدخرات فانه بالامكان التقليل من أثر ذلك. وعند شح السيولة للأفراد يمكن للبنوك والدولة ان تتخذ الإجراءات لتلافي ذلك. وعندما تشح سيولة البنوك يمكن للبنك المركزي تلافي ذلك ايضا. بل حتى عندما تشح سيولة الشركات يمكن للبنك المركزي والبنوك تلافي ذلك بعديد الآليات المتاحة. ولكن عندما تشح سيولة الدولة ظرفيا لا تجد سبيلا لحل المشكل الا بالاقتراض من البنوك مع ما يمثله من مخاطر كعدم توفر السيولة الضرورية أو شفط السيولة وحجبها عن تمويل بقية قطاعات الاقتصاد. لذلك تمكين الدولة من الحصول مباشرة من البنك المركزي بتسهيلات مرتبط بتمويل ظرفي لمعالجة شح السيولة وليس لتمويل دائم للميزانية أو أن تكاليف الاقتراض مشطة.

3) ويحدد المقترح حجم التسهيلات التي تحصل عليها الخزينة بمبدإ قدرتها على تسديده و لم يكن تسهيلا مفتوحا و كذلك يحدد أجال استرداد التمويل. وهنا تجدر الإشارة ان قانون البنك المركزي المصري الذي صودق عليه أخيرا في 15 سبتمبر2020 في فصله147 يذكر انه «يقدم البنك المركزي تمويلا للحكومة بناءا على طلبها لتغطية العجز الموسمي في الموازنة العامة على ألا يتجاوز قيمة هذا التمويل 10 ٪ من متوسط إيرادات الموازنة العامة في السنوات الثلاث السابقة». وكذلك قانون بنك المغرب المعتمد سنة 2018 في فصل 69 ذكر انه يمكن تقديم مساعدات مالية مباشرة للدولة في شكل تسهيلات صندوق و «تحدد تسهيلات الصندوق في خمسة في المائة (5 %) من الموارد الجبائية التي يتم تحقيقها خلال السنة المالية المختتمة. ولا يمكن للمدة الاجمالية لاستعمال هذه التسهيلات ان تتعدى 120 يوما، متواصلة أو غير متواصلة، خلال سنة مالية واحدة».

4) ولا يجعل مقترح التمويل الظرفي دون مقابل بل هو بنسبة فائدة معينة. فمثلا قانون المغرب يذكر ان التسهيلات « تؤدي أجرة عن المبالغ التي تم استعمالها فعليا، برسم التسهيلات، يسعر الفائدة الأساسي لإعادة تمويل البنوك لدى البنك» بينما ترك قانون البنك المصري سعر الفائدة مفتوح فذكر انه « تحدد الشروط الخاصة بهذا التمويل بالاتفاق بين البنك المركزي وزارة المالية على أساس أسعار الفائدة السائدة بالسوق».

5) على عكس ما يعتقد تبقى مسألة الاقراض المباشر من البنك المركزي للدولة يجب أن تبقى ممنوعة لضمان عدم تسييس السياسة النقدية وتمكين البنك المركزي من أليات السوق لتحقيق أهدافه المالية ولكن يمكن للبنك المركزي شراءها بطريقة غير مباشرة. بل ان التوجه الحالي للحكومة يبين مدى خطورة تمكين الحكومة من الاقتراض المباشر لتمويل حاجياتها. حتى ان البنك المركزس المغربي والمصري ابقيا على منع الإقراض المباشر الا في حالات التسهيلات الصندوق (المغرب) او التمويل للعجز الظرفي (مصر) وبشكل مقنن. لذلك من الضروري الإبقاء على «»لا يمكن للبنك المركزي أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة» مع ادراج التعديل.

6) للأسف لو صدر هذا المرسوم منذ البداية لتمكنت الدولة من الحصول على ما يقارب 3 ألاف مليار دينار مكنها من التقليص من البحث في خلال ثلاث اشهر عن 10 ألاف مليار. رب ضارة نافعة وكما قال المثل الفرنسي «Il vaut mieux tard que jamais».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا