في الحدود الحاليّة للأحزاب ومخاطر «الحزبقراطيّة» في تونس

بقلم: د. عزّام محجوب
أستاذ جامعي
بداية، وبإيجاز، ماهي «الحزبقراطيّة»؟ هذه العبارة تشير إلى نظام حكم تستحوذ فيه الأحزاب السّياسيّة على أغلبيّة السلط أو مجملها.

(أو ما يسمّى بنظام الأحزاب). وسنعود إلى ذلك لاحقا.

بعد هذا التوضيح سنتولى في هذه الورقة وفي جزئها الأوّل القيام بتحليل، من المؤكّد أنه غير شامل، للوضع السّياسي الحالي لنبيّن الحدود الحاليّة للأحزاب السياسيّة بأكملها رغم اختلافاتها.
هذه الحدود تكبّل في الواقع قدرتها على الحكم بصفة دائمة أو على الأقل على المدى المتوسط. وسنبرز مواطن الضعف وكذلك التوجهات المشوهة التي تخترقها بما ينزع، للأسف الشديد، المشروعيّة عن نظام الأحزاب وبالتالي عن التمثيليّة البرلمانيّة لدى أطياف واسعة من السكان.
وسنتطرّق في الجزء الثاني إلى مسألة «الحزبقراطيّة» من خلال تسليط الضوء على التجربة البلجيكيّة التي تعتبر اليوم الشكل الأكثر اكتمالا للحزبقراطيّة في أوروبا. فالدروس التي تستخلص من هذه التجربة تبيّن مخاطر هذا النظام والذي يشكّل صورة لما قد تؤول إليه مستقبلا التجربة الديمقراطية الحاليّة لتونس.

1. الحدود الحالية للأحزاب
إن انعدام الثقة في الأحزاب والتي تؤكدها استطلاعات الرأي بصفة متواصلة، وقلة أو غياب مصداقيّة المؤسسة البرلمانيّة، والتي ازدادت قوّة بالمشهد الهزلي الدرامي التي تقدمه عديد الأحزاب، قد شوّها صورة التمثيليّة البرلمانيّة التي أصبحت تشهد رفضا متزايدا من قبل عديد التونسيين.
وإضافة إلى ذلك، فإن تكوين الأحزاب والتي يتلوها تفتّت العديد منها بسرعة، وإنشاء الائتلافات السياسيّة الانتهازيّة والمرتجلة (عقب الانتخابات والتي لا تتأسّس على برامج) في تناقض مع التعهدات الانتخابيّة ما فتئت نصدم الناخبين لأنها نعتدي صراحة على رغباتهم التي عبروا عنها من خلال الانتخاب المباشر وتستخف أو تستهزئ بها، بما يفرغ هذا الأخير من محتواه وروحه الأساسيين في النظام الديمقراطي.

ونعنبر هذه المسألة على غاية من الأهميّة في حين تغيب أبعادها عن أذهان أغلب القياديين السياسيّين. فالمنتخَبون يحقّ لهم الاستنصار بالشرعية القانونيّة للمطالبة بممارسة الحكم (احتراما لاختيارات الشعب). وهم ما فتئوا يطالبون بذلك رافضين بشدّة حكومة بدون مشاركة الأحزاب. غير أنّ هذه الشرعيّة تثير إشكاليّة حيث أنها وإن كانت تنبني على القانون، فإن المشروعيّة للممارسة السلطة فعليّا ترتكز على إطار معياري يبررها ويتمثل في ما يعتبر مقبولا من فبل هيكليّة اجتماعيّة معيّنة.

فأسبقيّة الإيتيقيا (الأخلاق) تعتبر أساسيّة هنا ولكن ذلك يغيب على عديد السّياسيّين. فالغش والفساد والمغالطة وعدم احترام التعهدات، باسم الواقعية السياسيّة، وتشويه الاقتراع المباشر تمثل عديد المكونات التي تنزع المشروعيّة، إلى حدّ كبير، عن الأحزاب التي تطالب اليوم بالحق في ممارسة السلطة.
وعلاوة على ذلك فلا بدّ من أن نعي أنّ المشروعيّة تشترط الإنجاز بمعنى القدرة الحقيقيّة وليس الصوريّة على الحكم لفائدة مصلحة الوطن وبما يستجيب فعليّا إلى تطلعات الشعب وطلباته. إنه لا بدّ من الاعتراف بأنّ الكلفة العالية التي تتكبدها البلاد نتيجة عدم الاستقرار والتسيّب يعود بالأساس وبحق إلى هذه الهيكلة الحزبيّة السائدة وإلى عدم القدرة الحقيقية للأحزاب على الحكم.

وفي الأخير، فإنّ الصراع غير المنقطع لتقاسم السلطة ومواقع القيادة (المحاصصة)عند تكوين الحكومات كانت تعتبر دائما من قبل العديد من التونسيين، وهم محقّون في ذلك، بأنها الهدف الأسمى للأحزاب وأن الدولة والمؤسسات فإنها تمثل لدى هذه الأخيرة غنيمة للاستئثار بها. وهذا الإدراك أو التصوّر للأحزاب بكوتها متغوّلة وتستأثر بالغنيمة أصبح قويّا ويمثل سمة أساسيّة للواقع السياسي بتونس وفقا لما يشعر به عديد التونسيّين.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ التعطيل المتواتر على المستوى المؤسساتي والذي قد بلغ ذروته مع الأزمة السياسيّة وفي ظل مناخ الخطر الوبائي الدائم والاختناق الحادّ للاقتصاد ينبئ بانفجار اجتماعي.

فهل يمكن الخروج من هذه الأزمة السياسيّة في ظل الهيكلة السياسيّة والبرلمانيّة الحاليّة؟ عديد المحلّلين يؤكدون استحالة ذلك. فمن غير المتوقّع أن يتم تحقيق استقرار البلاد وإعادة النفس إلى الاقتصاد المختنق وذلك بسبب عدم نضج الطبقة السياسيّة حقّا.
فهذه الحقيقة لا يجب أن تغيب عنّا، ولكن أغلب القياديين السياسيّين أو لا أحد منهم يقبلون بها ويعلنون رفضهم لها.

وفي الواقع، واعتبارا لحداثة عهد عدد منها وقلّة أو انعدام تجربتها في مجال الحكم المحلّي أو الجهوي أو الوطني، فإنّ غالبيّة الأحزاب، وبدرجات مختلفة، تبرز ضعفا واضحا يعيق ديمومتها ولكن، بصفة خاصة، قدراتها على تسيير الشأن العام وعلى دعم أواصر المسار الديمقراطي. فضعف التدرّب والممارسة الديمقراطيّة أو محدودية مستواها داخل الأحزاب، والصعوبات المتواترة في إدارة الاختلاف والتي تتظافر مع النرجسيّة المفرطة لرؤسائها تُفضي في عديد الأحيان إلى انفجارها. والأمثلة على ذلك عديدة.

أما الأحزاب الأخرى التي تبدو عليها وحدة ظاهريّة، فإنها تجنح عادة إلى إخفاء أو تأجيل معالجة الاختلاف داخلها، وفي عديد الأحيان، عملا بروح الجماعة أو لحسابات سياسيّة (خطر الاستبعاد). وهي حالة الأحزاب الإيديولوجية أو العقائديّة (الإسلاميّة المحافظة أو ذات الرئاسات التسلّطيّة).
غير أنّه من غير الممكن أن نشهد تأصيلا أو تدعيما للديمقراطيّة دون أحزاب تسودها الديمقراطيّة داخلها.

وعلى صعيد آخر، فإن الأحزاب إما أن تكون متسمة صراحة بالطابع الإيديولوجي وإما أنها تفتقر إلى برامج. فما هي الأحزاب التي تقدم اليوم برامج حكم وتدافع عنها (منفردة أو مشتركة مع أحزاب أخرى، برامج كم تشتد الحاجة إليها)، حيث لا يمكن اعتبار الأيديولوجية أو الشعارات الجوفاء برامج. فلا المرجعيّات الماضية ولا الحدّ من الفقر أو الفساد أو لا المزيد من الدولة الاجتماعية يمكن في حدّ ذاتها أن تكون برامج سياسية... فانعدام البرامج هذا يبدو سِمَة أساسيّة من سمات المشهد السياسي الحالي.

وأخيراً، فإن الإقصائية وإنكار الآخر على الطريقة التونسية التي تمارسها بعض الأحزاب يزيد هذا المشهد قتامة. فعلى وجه الخصوص، تشهد الساحة البرلمانية قوتين تتصارعان بشدّة، وهما، في الواقع، تشتركان في صفتين مشتركتين: فهما استبعاديّتان، تحرم كل منهما الأخرى من الحق في الوجود السياسي، حتى وإن كانتا تنبعان من التصويت الشعبي. ولذلك فهما تعتبران معاديتان للحرية أي للديمقراطية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنهما إنكاريّتان.

ففي حالة الحزب الدستوري الحرّ، الإنكار هو ببساطة إنكار للثورة وإنجازاتها الديمقراطية التي تمتّع بها للتمكن من الوجود. وهنا يعني ضرورة وضع ما بعد الثورة بين «معقفين» واعتبار هذه الأخيرة مؤامرة دولية بمشاركة «براوطي» شهيد زائف! فالرغبة في القضاء على الإسلام السياسي لا يمكن أن تضفي الشرعيّة على هذه الإهانة لذكرى شهداء الثورة. وفي الحالة الأخرى أي ائتلاف الكرامة بمرجعيّتها الإسلامية المحافظة السلفيّة، فهو إنكار ما بعد الاستقلال (وإنكار للاستقلال) والإنجازات الحداثية التي يتمتعون بها. ويعني هذا ضرورة وضع بين معقفين لفترة ما بعد الاستقلال الحداثيّة. وقد برز هذا الخطاب بعد الثورة وساد بقوة بين القادة والمنظرين الأيديولوجيين الإسلاميين المحافظين، وهو أمر متكرر ومتواتر.

وتبين التجربة العالمية، كقاعدة عامة، أن الأحزاب السياسية التي لا تشير أسسها السياسية الأولية إلى القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي تمارس الإقصاء والانكار، بغض النظر عن مرجعياتها السياسية الأيديولوجية، تعتمد على قواعد اللعبة الديمقراطية من أجل الوصول إلى السلطة وتتراجع عنها بمجرد وصولها إليها. عند ذلك تبدأ الممارسات المناهضة للديمقراطية في الظهور تدريجيا بما يعيق المسار الديمقراطي ويشوهه.

ذلك هو المشهد السياسي التونسي حاليّا. فالأحزاب تعاني من نقاط ضعف ومحدوديّة واضحة، لا تؤهلها للحكم بشكل عام، ناهيك عن ممارسته يشكل مستدام وفعال إلى حد ما، وذلك على الرغم من الشرعية الانتخابية التي تتمتع بها. وعلاوة على ذلك، فإنها تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى إنشاء حزبقراطيّة من شأنها أن تعيق التطور الديمقراطي.

وفي هذا الخضم، يحقّ للمرء أن يتساءل عما إذا كانت هناك حاليا قوة اجتماعية سياسية قادرة على لعب دور قوة مضادة حقيقية وفاعلة في مواجهة هذه الانحرافات المشوهة. يعتبر الكثير أنّ المجتمع المدني الذي بدأ ينضج، وكذلك الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعتبر مركز التوازن التاريخي الاجتماعي والسياسي لتونس ما بعد الاستقلال، على الرغم من المحاولات المتواصلة لتقويض استقراره، سيكون لهما دور حاسم وواضح في مكافحة الانحرافات والاتجاهات المزعزعة للاستقرار التي يمكن أن تعطل عملية التحول الديمقراطي. إن وجود مجتمع مدني أقوى وأفضل تنظيما، وإنّ الاتحاد العام التونسي للشغل، أكثر تماسكا وتشبيبا وتأنيثا، وساعيا إلى تحسين حوكمته الديمقراطية وتجديد أجنداته، سيؤديان بالتأكيد دورا رئيسيا في هذا الاتجاه للتصدي للحزبقراطيّة بتونس.

2. الحزبقراطيّة: الدروس المستخلصة من التجربة البلجيكية أو مخاطر الحزبقراطيّة
إنّ التجربة السياسية البلجيكية، مع الأخذ بعين الاعتبار لضرورة تنسيب الأمور، (الفوارق التاريخية والثقافية والوطنية، والخصوصيات، الخ)، لديها أوجه تشابه متعددة، رغم عديد. الاختلافات مع التجربة التونسية. لذلك فإنه من المفيد مزيد التعمّق في هذه التجربة سعيا إلى درإ مخاطرها أو تجنب انحرافاتها.
فقد كتب السيد فرانسوا بيران وهو متخصص في القانون الدستوري البلجيكي، كتابا في عام 1961 بعنوان «الديمقراطية توقفت حول «النظام البرلماني البلجيكي من عام 1918 إلى عام 1958»، أشار فيه إلى أن هذا النظام هو نظام «الخلط بين الحكومة والبرلمان والأحزاب». وبيّن أنّ الأحزاب استحوذت في نهاية المطاف على كل شيء، وبذلك فقد أعاقت حسن سير المؤسسات، وبالتالي عطلت الديمقراطية.

وفي عام 1980، خلال استقالته المذهلة من مجلس الشيوخ، بيّن فرانسوا بيران أن بلجيكا سئمت من ثلاثة شرور غير قابلة للشفاء ولا رجعة فيها، أحدها « حزبقراطيّة ضيقة الأفق، وغالبا ما تكون طائفية، حزبية، منحازة، وأحيانا ذات ولاء مشكوك فيه لاحترام العهود والتوقيع، ولكنها ماهرة جدا في النّهم الذي تستحوذ به على الدولة بقوة المناكب بما أضعف سلطة هذه الأخيرة وأدّى إلى احتقار الشعب لها». ومنذ ذلك الحين، استمرت كتابات المتخصصين البلجيكيين في وصم الانحرافات الحزبقراطية التي تقوض الديمقراطية باستمرار في هذا البلد.

وفي الحقيقة فإن الأحزاب السياسية في كل مكان أصبحت تُتهم بشكل متزايد باختطاف الديمقراطية أو تقويض أدائها السليم. وكثيراً ما أصبحت تُقدَّم هذه الانتقادات، الموجهة إلى الأحزاب والمستندة إلى أسس جيدة، إلى الديمقراطية التمثيلية نفسها. وأصبحت معظم النظم البرلمانية الديمقراطية، تعتبر، بدرجات متفاوتة، نظما حزبقراطيّة.
ولا بد من القول إن انتقاد السلطة والأحزاب السياسية ليس وليد اليوم. فقد انطلقت الإدانات من الفوضويين أو الشعبويّين اليمينيين باستهداف الأعيان والنخب القديمة منتقدة سيطرتهم على السياسة أو فساد أخلاقهم وسعيهم إلى إرساء أنظمة فرديّة.

وفي الواقع فإن الحزبقراطية تُشجب باعتبارها شكلاً من أشكال حكم الأقليّة (Oligarchie)، تُركَّز السلطة فيه داخل طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات أي: الأحزاب السياسية بشكل عام أو الأحزاب السياسية التي تبقى في السلطة بصفة دائمة.

لماذا شكلت بلجيكا، وهي حالة مفيدة، ديمقراطية برلمانية وتحولت بعد ذلك إلى حزبقراطية؟ ففي بلجيكا، تعزز تماسك الحزبقراطيّة على مر السنين وأصبحت، عملياً، الأقوى في أوروبا الغربية. فرؤساء الحزب هم الفاعلون الأساسيّون. المواطن يصوت ولكن في نهاية المطاف ليس له تأثير كبير على هويّة قادته في المستقبل. لقد تركزت السلطة السياسية الحقيقية في أيدي عدد قليل من رؤساء الأحزاب، ولم تعد السلطة وسيلة بل غاية تتجاوز مصالح جميع المواطنين، مما يعرّض الديمقراطية للخطر. فكل عقد يمر يشهد تغيّر طبيعة المجالس النيابيّة شيئا فشيئا. فهي لم تعد الفضاءات التي يجسّد فيها ممثلو الشعب المنتَخبون تطلعات المواطنين ومراقبة إنجازها من قبل السلطة التنفيذيّة، بل أصبحت مجالس مصادقة بشكل مسرحي لا يسودها غير «الانضباط الحزبي».

فالقرارات الهامة يتخذها قادة الأحزاب، وهم في كثير من الأحيان لا يخضعون للاقتراع العام ولا يُضمن حيادهم. وشيئا فشيئا لم يعد الفصل بين السلطات مضموناً بقدر ما تكون نفس الأحزاب ممثلة في مختلف هيئات السلطة. وبالتالي فإن قيادة حزب قوي يمكن أن يستأثر بجميع السلطات.
في هذا التشكيل، وفي مجتمع مسيّس للغاية، تصبح وسائل الإعلام، ولكن أيضا المنظمات المهنية، أقل حيادية من النّاحية السياسية. فهي تصبح أيضاً، في نظام الأحزاب، سلطات تسيطر عليها الأحزاب السياسيّة.

فالحزبقراطية تعني، بالتالي وكما بيناه آنفا، حكم الأحزاب السياسية. هذا هو مصير العديد من الديمقراطيات، لأن الأحزاب تحتلّ فيها باستمرار وشيئا فشيئا كل جزء من السلطة متروك للشعب. فالانتخابات لم تعد تمثّل فيها سوى طقوس أكل عليها الدهر تهدف إلى جعل الناس يظنون أنهم يمارسون الديمقراطية. و»الرهانات السياسية» أضحت فيها طرقا جديدة لاستبعاد عامّة المواطنين وإدامة هيمنة الأحزاب.

وقد استسلم عدد كبير من المواطنين في هذا البلد، الذين ثبطتهم تعقيدات المؤسسات السياسية البلجيكية وأغضبتهم تجاوزات الطبقة السياسية، إلى حد بعيد حيث تم اختزال دورهم في القيام من حين لآخر بممارسة قدراتهم الانتخابية الوحيدة، بما أدى إلى عزوفهم عن السياسة والذي أصبح يشكل تهديدا خطيرا للديمقراطية.
وعلاوة على ذلك، فلئن أضحت الشعبوية، اليوم، بارزة على الساحة في جميع أنحاء العالم، فإن ذلك يرجع إلى أن الديمقراطية لم تف بوعودها. لقد أصبحت الطبقة السياسية في قطيعة عن المجتمع. إنها أصبحت واجهة لحزبقراطيّة أو حكم الأقلية؛ وأصبح المواطنون يشعرون بأنهم لم يعدْ يستَمَعُ إليهم، ويعتقدون بأنهم غير مُمَثَّلين، وبأنهم متروكون لحالهم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. «إن واقع الشعبوية هو واقع القصور الديمقراطي، إنه الظل المظلم لاختلالات الديمقراطية». (بيير روسانفالون، الابسرفر، 01 /12 /2016).

في الواقع، نجد أنفسنا إلى اعتماد الكثير من التحاليل البلجيكية وتناسبها مع تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس بعد الثورة. ومع العلم أن هذه الأخيرة ليست سوى في عامها العاشر، وأنها فوضوية، وعرة، وهشة، ولم تتأصّل بعد. ومع ذلك، فإن مخاطر التشويه أو التعطيل أو القابلية للانتكاس والعودة إلى الماضي تبقى موجودة. ومن المؤكد أن الحزبقراطيّة، بما فيها من أخطار، يجري تشكيلها. وإن كانت لا تزال هشّة وغير ناضجة، فإنها تستطيع، في غياب إصلاحات دستورية وسياسية وانتخابية ومؤسسية، وفي حالة جمود أو سلبية المجتمع المدني، وبالخصوص محاولات تفتيت المنظمات المهنيّة أو الهيمنة عليها، أن تكتسب القوة، وتصبح قاتلة للحرية، وأن تثبّت وجودها بمصادرة المكاسب الديمقراطية.

وفي نهاية هذه المساهمة، يمكن للمرء أن يتساءل عمّا إذا كانت الأحزاب السياسية، كما هي عليه الآن، قادرة على الوعي الصحيح بحدودها وبالتوجهات المشوهة التي تخترقها ومخاطر نظام الحزبقراطيّة.

الوقت خطير، والوضع حرج، والتحديات هائلة... ولذلك فإن هذه الأحزاب تتحمل مسؤولية ثقيلة أمام التاريخ ... والتاريخ لا يغفر. فهناك حاجة ملحة لإجراء تعديلات على الدستور، وعلى شكل، ومستوى، وطبيعة التمثيل الشعبي، وطريقة التصويت. وينطبق الشيء نفسه على قانون الأحزاب (مجابهة التجاوزات).

إن رئاسة الجمهورية والمجتمع المدني والمنظمات المهنية لها دور حاسم، للعمل على تحقيق استقرار نظامنا السياسي وترسيخ ديمقراطيتنا، التي يجب أن تكون مركّزة على المواطن، وفي الوقت نفسه تجنّب مطبات مخاطر الحزبقراطيّة ولكن أيضاً مساوئ النظام الرئاسي المفرط... وبدون رفع هذا العائق السياسي، فليس هناك خلاص دائم من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا